إذا كان البندول النفسيّ هو المحرّك، فإنّ أوضح ما يظهر فيه أثره هو موقف المستثمرين من المخاطرة. ويعدّ الكتاب هذه الدورة من أهمّ الدورات كلّها، لأنّها تحدّد مباشرةً الأسعار التي تُدفع للأصول الخطرة، والشروط التي يُقبل بها التمويل، وبالتالي مقدار الخطر الذي يتراكم في النظام الماليّ دون أن يلاحظه أحد.
المخاطرة لها ثمن
في الظروف الطبيعيّة لا يقبل المستثمر الرشيد أصلًا أكثر خطرًا إلّا إذا وُعد بعائدٍ متوقّعٍ أعلى. ويُسمّى هذا الفارق علاوة المخاطر، ويشرح درس علاوة مخاطر الأسهم كيف تُقدَّر في سوق الأسهم. ويحرص الكتاب على التذكير بأنّ هذا العائد الأعلى متوقّعٌ لا مضمون، وإلّا لما كان الأصل خطرًا أصلًا؛ فالمخاطرة تعني أنّ النتائج الممكنة أوسع، وأنّ بعضها قد يكون سيّئًا جدًّا. وقد عرض دليل ضدّ الآلهة: قصّة المخاطرة كيف تطوّر فهم البشر لهذا المفهوم.
حين يتبدّل الموقف
المشكلة أنّ الموقف من المخاطرة لا يبقى ثابتًا. ففي فترات الرخاء الطويلة ينسى الناس الخسائر، ويقلّ النفور من المخاطرةميل المستثمر إلى تفضيل الخيارات الأقلّ تقلّبًا وغموضًا، وطلبه تعويضًا إضافيًّا مقابل قبول المزيد من عدم اليقين، وتتغيّر درجته مع المزاج العامّ والتجربة الأخيرة.، فيقبلون علاوةً أصغر ويدفعون أسعارًا أعلى، ويتساهلون في الشروط والضمانات. وفي فترات الشدّة يحدث العكس: يتضخّم النفور، فيطلب الناس علاوةً كبيرة، أو يرفضون الأصول الخطرة بأيّ سعر. ويمكن ملاحظة هذا التبدّل في فروق العائد الائتمانيّة التي تضيق في أوقات الطمأنينة وتتّسع في أوقات القلق.
المفارقة الكبرى
يصل الكتاب هنا إلى فكرته المركزيّة: المخاطرة الحقيقيّة لا تبلغ ذروتها حين يشعر الناس بالخوف، بل حين يشعرون بالأمان. فحين يطمئنّ الجميع ترتفع الأسعار وتضعف الشروط ويتراكم الاقتراض، فيصبح السوق هشًّا أمام أيّ مفاجأة. وحين يخاف الجميع تكون الأسعار قد انخفضت والشروط قد تشدّدت، فيقلّ ما تبقّى من خطرٍ كامن، مع أنّ الشعور بالخطر في أعلى مستوياته. ويُسمّى هذا التناقض أحيانًا مفارقة المخاطرةالفكرة القائلة إنّ تصوّر الناس للخطر يتحرّك عكس الخطر الفعليّ في كثيرٍ من الأحيان، فيبدو السوق آمنًا حين تكون المخاطر متراكمة، ومخيفًا حين تكون الأسعار قد عكست جزءًا كبيرًا من الخطر.. والمعنى ليس أنّ الخوف يعني الأمان دائمًا، بل أنّ الشعور العامّ بالخطر دليلٌ مضلّل حين يُؤخذ وحده.
ماذا يتعلّم المستثمر من ذلك؟
الدرس العمليّ أن يراقب المستثمر سلوك الآخرين تجاه المخاطرة بوصفه معلومةً في حدّ ذاته. فحين يتسابق الناس على الأصول الخطرة ويقبلون شروطًا ضعيفة، يكون ذلك داعيًا إلى مزيدٍ من الحذر والتدقيق. وحين يهرب الجميع من كلّ ما فيه خطر، يكون ذلك داعيًا إلى الفحص الهادئ بدل الذعر. ولا يعني هذا اتّخاذ قراراتٍ متطرّفة، بل الانتباه لما يُدفع مقابل ما يُشترى. ويقدّم درس إدارة المخاطر الأدوات الأساسيّة التي تبقى ضروريّة في كلّ مراحل الدورة.
عرضنا في هذا الفصل دورة المواقف من المخاطرة. في الفصل التالي نرى أقوى تجلّياتها العمليّة: دورة الائتمان، أي استعداد المقرضين لتقديم المال. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في فهم الدورات وإدارة المخاطر لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.