يولي الكتاب دورة الائتمان مكانةً خاصّة، وهذا مفهومٌ من مستثمرٍ قضى مسيرته في أسواق الديون. فالمال المقترض هو الوقود الذي يحرّك جزءًا كبيرًا من النشاط الاقتصاديّ والاستثماريّ، وحين يتوفّر بسهولة تتسارع الأمور، وحين يشحّ فجأة تتوقّف. ولهذا يرى الكتاب أنّ تقلّبات الائتمان تضخّم الدورات الأخرى أكثر من أيّ عاملٍ آخر تقريبًا.
النافذة المفتوحة
يصوّر الكتاب سوق الائتمان بنافذةٍ قد تكون مفتوحةً على مصراعيها أو موصدة. فحين تكون مفتوحة، يستطيع أيّ مقترضٍ تقريبًا أن يجد من يقرضه بشروطٍ مريحة، وحين تنغلق يعجز حتّى المقترضون الجيّدون عن الحصول على التمويل. وتتأثّر حالة النافذة بمزاج المقرضين أكثر ممّا تتأثّر بجودة المقترضين أنفسهم. ويمكن تتبّع هذه الحالة في مستويات عائد السندات وفي فروق العائد الائتمانيّة بين السندات الحكوميّة وسندات الشركات.
كيف تتدهور المعايير؟
تسير الحلقة عادةً على هذا النحو: اقتصادٌ يتحسّن، وقروضٌ تُسدَّد بانتظام، ومقرضون يحقّقون أرباحًا، فيدخل مزيدٌ من المال إلى سوق الإقراض بحثًا عن عائد. ولأنّ المقترضين محدودون، يتنافس المقرضون عليهم بتخفيض الفائدة وتخفيف معايير الإقراضمجموعة الشروط والضمانات والمعايير التي يطلبها المقرض قبل منح القرض، مثل الضمانات المرهونة ونسب المديونيّة المسموح بها وقيود استخدام الأموال.: ضماناتٌ أقلّ، وقيودٌ أضعف، ونسب مديونيّةٍ أعلى. ومع كلّ جولةٍ تصبح القروض الجديدة أسوأ جودةً من سابقتها، دون أن يظهر ذلك فورًا لأنّ الاقتصاد ما زال جيّدًا. ولهذا يلفت الكتاب إلى مفارقةٍ لافتة: الاطمئنان العامّ يُضعف جودة الإقراض، أمّا القروض التي تُمنح في أجواء التشدّد والحذر فتأتي عادةً بشروطٍ أمتن وتعويضٍ أكبر.
الانغلاق المفاجئ
ثمّ يأتي حدثٌ ما، تعثّر مقترضٍ كبير أو تباطؤٌ اقتصاديّ أو صدمةٌ خارجيّة، فيتذكّر المقرضون المخاطر دفعةً واحدة. يتشدّدون، فيعجز المقترضون الضعفاء عن الحصول على تمويلٍ جديد، فيتعثّر بعضهم، فيزداد تشدّد المقرضين. وأخطر ما في هذه المرحلة مخاطر إعادة التمويلالحاجة إلى استبدال دينٍ يقترب موعد استحقاقه بدينٍ جديد، وتصبح مصدر خطرٍ كبير حين تنغلق أسواق التمويل في لحظة الاستحقاق.؛ فشركةٌ سليمة في جوهرها قد تواجه الإفلاس لمجرّد أنّ دينها استحقّ في وقتٍ لا يرغب فيه أحد في الإقراض. ويرتبط هذا بالآليّة التي يشرحها مسرد نداء الهامش على مستوى الأفراد، حين يُجبر المقترض على البيع في أسوأ توقيت.
الائتمان مضخّمٌ للدورات
يرى الكتاب أنّ كثيرًا من الأزمات الماليّة الكبرى كانت في جوهرها أزمات ائتمان: إقراضٌ مفرط في الصعود، ثمّ انغلاقٌ حادّ في الهبوط. فالائتمان السهل يرفع أسعار الأصول ويشجّع على المزيد من الاقتراض، والائتمان الشحيح يجبر على البيع ويدفع الأسعار نحو مستوياتٍ لا تعكس القيمة. ويقدّم دليل مبادئ للتعامل مع أزمات الديون الكبرى إطارًا تفصيليًّا لهذه الآليّة، كما يروي دليل الرهان الكبير على الانهيار كيف تراكمت معايير إقراضٍ متراخية قبيل أزمة 2008.
رأينا في هذا الفصل كيف تتحرّك دورة الائتمان. في الفصل التالي نتابع ما يحدث بعد انغلاق النافذة: دورة الديون المتعثّرة، ثمّ دورة العقار بوصفها مثالًا على دورةٍ تجتمع فيها كلّ الطبقات السابقة. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في فهم الدورات وإدارة المخاطر لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.