إذا كانت الأرباح تضخّم تذبذب الاقتصاد، فإنّ ما يضخّم تذبذب الأرباح ويحوّله إلى تقلّباتٍ حادّة في الأسعار هو نفسيّة المستثمرين. وقد عرض دليل أهمّ شيء صورة البندول بإيجاز، أمّا هنا فيتوسّع الكتاب في وصف حركته وأبعاده، ويجعله المحرّك الذي يربط الدورات كلّها ببعضها.
البندول وأطرافه
تخيّل بندولًا يتحرّك بين طرفين متقابلين. في أحدهما الجشع والثقة المفرطة والاعتقاد بأنّ كلّ شيءٍ ممكن، وفي الآخر الخوف والإحباط والاعتقاد بأنّ لا شيء سينجح. ويضيف الكتاب أزواجًا أخرى تتأرجح بالطريقة نفسها: بين التصديق السهل لكلّ قصّةٍ واعدة والارتياب من كلّ فكرة، وبين الاهتمام بفرص الربح وحدها والانشغال بتجنّب الخسارة وحدها. والسلوك الصحّيّ يقع في المنتصف بين كلّ زوج، لكنّ المنتصف نادرًا ما يدوم.
لماذا لا يستقرّ في الوسط؟
السبب أنّ كلّ حالةٍ نفسيّة تغذّي نفسها. فحين ترتفع الأسعار يربح الناس، فتزداد ثقتهم، فيشترون أكثر، فترتفع الأسعار أكثر، ويرون في ذلك تأكيدًا لصواب رأيهم. ويتسلّل إلى المشهد سلوك القطيعميل الإنسان إلى تبنّي رأي الأغلبيّة أو تقليد سلوكها، اعتقادًا بأنّ الجماعة تعرف أكثر، أو خوفًا من أن يكون الوحيد المخطئ أو المتأخّر عن الآخرين. والخوف من تفويت الفرصة، فينضمّ المتردّدون إلى الصعود في مراحله المتأخّرة. وفي الهبوط تعمل الآليّة نفسها معكوسة: خسارةٌ تولّد خوفًا، وخوفٌ يولّد بيعًا، وبيعٌ يعمّق الخسارة. ويشرح درس سيكولوجية التداول كيف تعمل هذه المشاعر داخل كلّ فرد.
المزاج عدسةٌ تلوّن الأخبار
من أعمق ملاحظات الكتاب أنّ الأحداث لا تصنع المزاج وحدها، بل إنّ المزاج يحدّد كيف تُفهم الأحداث. ففي فترات الثقة يُقرأ الخبر الجيّد دليلًا على أنّ الأمور ممتازة، ويُقرأ الخبر السيّئ استثناءً عابرًا. وفي فترات القلق يُعدّ الخبر الجيّد وهمًا مؤقّتًا، ويُعدّ السيّئ بدايةً لما هو أسوأ. وتسمّي علوم السلوك بعض هذا الانحياز التأكيديّميلٌ ذهنيّ إلى البحث عن المعلومات التي تؤيّد ما يعتقده المرء مسبقًا وتفسيرها لصالحه، مع التقليل من شأن ما يخالفه.. ويعرض درس الانحيازات المعرفيّة في التداول أمثلةً أخرى على هذه الأخطاء الذهنيّة. ولهذا قد يبدو السوق أحيانًا كأنّه يتجاهل المنطق، وهو في الحقيقة يتّبع منطق المزاج السائد.
كيف تتعرّف على موقع البندول؟
لا يقدّم الكتاب مقياسًا رقميًّا دقيقًا للمزاج، بل يدعو إلى ملاحظةٍ نوعيّة: كيف يتحدّث الناس عن السوق؟ هل يُستقبل المتشكّكون بالسخرية أم بالإصغاء؟ هل تُطرح مشاريع ضعيفة ويُقبل عليها الجمهور بسهولة، أم أنّ حتّى الأفكار الجيّدة تعجز عن جذب التمويل؟ ويمكن الاستئناس ببعض المؤشّرات الكمّيّة كما يعرض درس مؤشّر الخوف، مع تذكّر أنّها تقيس جانبًا واحدًا من المشهد. والغاية من هذه الملاحظة ليست توقّع لحظة انقلاب البندول، بل إدراك ما إذا كان المزاج السائد قد ابتعد كثيرًا عن الاعتدال.
رأينا في هذا الفصل كيف يتأرجح المزاج. في الفصل التالي نتناول أهمّ تجلّيات هذا التأرجح في نظر الكتاب: دورة المواقف من المخاطرة. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في فهم الدورات وإدارة المخاطر لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.