في الفصول السابقة رأينا كيف ينحرف قرار الفرد عن النموذج العقلانيّ. لكنّ كثيرًا من الاقتصاديّين كانوا يقولون: حتّى لو أخطأ الأفراد، فإنّ السوق في مجموعها تصحّح الأخطاء، فتعكس الأسعار كلّ المعلومات المتاحة. ومن أهمّ ما فعله ثالر أنّه حمل الأسئلة السلوكيّة إلى قلب هذا الحصن: سوق الأسهم. وفي هذا الفصل نعرض فكرة المبالغة في ردّ الفعل بعبارةٍ عامّة، دون الدخول في تفاصيل الدراسات أو أرقامها.
فرضيّة السوق الكفؤة باختصار
تقول فرضيّة السوق الكفؤةفكرةٌ ترى أنّ أسعار الأصول في سوقٍ نشطة تعكس بسرعة المعلومات المتاحة، فيصعب على المستثمر أن يحقّق باستمرار عائدًا يفوق السوق بعد احتساب المخاطر والتكاليف. ولها صيغٌ متفاوتة في قوّتها. في صيغتها العامّة إنّ الأسعار تستوعب المعلومات الجديدة بسرعة، فلا يستطيع أحدٌ أن يتفوّق على السوق باستمرار إلّا بالحظّ أو بتحمّل مخاطر أكبر. ولهذه الفكرة شقّان: أنّه يصعب التفوّق على السوق، وأنّ السعر يساوي القيمة الحقيقيّة. والكتاب يتعامل مع الشقّين بطريقةٍ مختلفة كما سنرى في الفصل التاسع. ويعرض دليل نزهةٌ عشوائيّة في وول ستريت الحجّة المقابلة التي تدافع عن صعوبة التفوّق على السوق.
حين نستقرئ الماضي القريب أكثر من اللازم
الفكرة السلوكيّة هنا أنّ البشر يميلون إلى الحكم على المستقبل بما رأوه مؤخّرًا، ويعطون القصص الحيّة وزنًا أكبر من الإحصاءات الباهتة. فإذا نجحت شركةٌ عدّة سنوات متتالية، صار من السهل أن نتخيّل نجاحها مستمرًّا بلا نهاية، وإذا تعثّرت أخرى، صار من السهل أن نراها محكومةً بالفشل. وإن كان كثيرٌ من المستثمرين يفكّرون هكذا، فقد ترتفع أسعار الأولى فوق ما يبرّره مستقبلها المعقول، وتنخفض أسعار الثانية دون ما يبرّره، ثمّ تعود الأمور جزئيًّا إلى الاعتدال حين تأتي النتائج أقلّ تطرّفًا من التوقّعات. وهذه هي فكرة المبالغة في ردّ الفعلميلٌ إلى أن يبالغ المستثمرون في الاستجابة للأخبار والنتائج الحديثة، فيرفعون توقّعاتهم أكثر من اللازم بعد النجاح ويخفضونها أكثر من اللازم بعد التعثّر، فتبتعد الأسعار مؤقّتًا عن تقديرٍ متوازن ثمّ تتراجع جزئيًّا نحو الاعتدال..
الرابحون والخاسرون في المتوسّط
بالاعتماد على هذا المنطق، طرح ثالر مع زميلٍ له سؤالًا قابلًا للاختبار: إن كان المستثمرون يبالغون، فإنّ مجموعة الأسهم التي كانت الأسوأ أداءً على مدى عدّة سنوات قد تحقّق في المتوسّط أداءً أفضل لاحقًا من مجموعة الأسهم التي كانت الأفضل. ونتائج هذا النوع من الأبحاث أثارت نقاشًا طويلًا: هل تعكس مبالغةً سلوكيّة فعلًا، أم أنّ «الخاسرين» أكثر خطرًا فيستحقّون عائدًا أعلى؟ والمهمّ لقارئنا أن يفهم أنّ هذه نتائج إحصائيّة على مجموعاتٍ كبيرة عبر فتراتٍ طويلة، قد تضعف أو تتغيّر، ولا تقول شيئًا عن سهمٍ بعينه. ويعرض درس العودة إلى المتوسّط مقابل الزخم كيف تتعايش في الأسواق نزعاتٌ متعاكسة على آفاقٍ زمنيّة مختلفة.
مثالٌ توضيحيّ من عندنا
تخيّل قطاعين افتراضيّين في سوقٍ ما. الأوّل عاش ثلاث سنواتٍ من النموّ السريع، فصارت الصحف تكتب عنه يوميًّا، وارتفعت مكرّرات أسهمه إلى مستوياتٍ تفترض استمرار النموّ نفسه عقدًا كاملًا. والثاني مرّ بفترةٍ صعبة، فهجره المحلّلون وانخفضت أسهمه إلى مستوياتٍ تفترض أنّ أوضاعه لن تتحسّن أبدًا. إن جاء المستقبل أكثر اعتدالًا من التوقّعات في الحالتين، فقد يخيّب الأوّل آمال المتفائلين ويفاجئ الثاني المتشائمين. لكنّ المستقبل قد يأتي أيضًا مطابقًا للتوقّعات أو أسوأ منها. والمثال افتراضيّ تمامًا، وغرضه شرح الآليّة لا اقتراح شراء قطاعٍ أو بيع آخر. ويذكّر درس تحيّز البقاء بأنّ قراءة الماضي دون احتساب من اختفى تشوّه الصورة.
ما الذي يأخذه المستثمر من هذا الفصل؟
الدرس الأهمّ ليس قاعدةً للتداول، بل وعيٌ بنزعةٍ موجودة فينا: أن نحذر من تحويل سنواتٍ قليلة من النجاح أو الفشل إلى قصّةٍ أبديّة، وأن نسأل دائمًا ما الذي يفترضه السعر الحاليّ عن المستقبل، وهل هذا الافتراض معقول. وهذا السؤال يتّصل بمنهج القيمة الذي يعرضه دليل المستثمر الذكيّ، وبفكرة الفقاعات التي يحلّلها دليل الحماسة غير العقلانيّة. ويساعد درس تفكيك مكرّر الربحيّة على قراءة ما يتضمّنه السعر من توقّعات.
رأينا في هذا الفصل كيف يمكن أن تبالغ الأسعار في ردّ فعلها. وفي الفصل التالي ننتقل إلى لغزٍ أكبر شغل الاقتصاديّين طويلًا: لماذا كانت عوائد الأسهم تاريخيًّا أعلى بكثير من عوائد السندات، وما علاقة ذلك بعادتنا في مراقبة محافظنا. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في الاقتصاد السلوكيّ لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.