في النموذج التقليديّ يهتمّ كلّ طرفٍ في السوق بمصلحته المادّيّة وحدها، فيقبل أيّ صفقةٍ تزيد ثروته، ولا يعنيه كم يربح الطرف الآخر. لكنّ أحد الخيوط المهمّة في الكتاب أنّ البشر يحملون إلى السوق إحساسًا قويًّا بالعدالة، وأنّ هذا الإحساس يغيّر قراراتهم، ويقيّد ما تستطيع الشركات فعله. وفي هذا الفصل نشرح هذه الفكرة بلغتنا وأمثلتنا.
العدالة عاملٌ «يُفترض ألّا يهمّ»
من زاوية الإنسان الاقتصاديّ، إن ارتفع الطلب على سلعةٍ فجأة فمن الطبيعيّ أن يرتفع سعرها، وهذا ما يوجّه الموارد إلى من يقدّرها أكثر. لكنّ الناس في الواقع يفرّقون بين ارتفاعٍ يرونه مبرّرًا، كأن ترتفع تكلفة المواد الخام على البائع فيرفع سعره، وارتفاعٍ يرونه استغلالًا، كأن يرفع البائع سعر سلعةٍ ضروريّة لأنّ الناس في ضائقة. والفارق بين الحالتين ليس في الحساب الاقتصاديّ بل في أعراف العدالةتوقّعاتٌ اجتماعيّة مشتركة عمّا هو مقبول وغير مقبول في التعامل التجاريّ، كأن يُعدّ تمرير ارتفاع التكلفة إلى الزبون مقبولًا، ويُعدّ استغلال حاجته الطارئة لرفع الربح ظلمًا. وهي تؤثّر في ردود فعل الزبائن والعاملين وتقيّد سلوك الشركات.، التي تحكم نظرة الناس إلى ما هو مقبول.
حين يدفع الناس ثمنًا لمعاقبة الظلم
في تجارب الاقتصاد السلوكيّ المعروفة عمومًا، يُطلب من شخصٍ أن يقسم مبلغًا بينه وبين آخر، ويحقّ للثاني أن يقبل القسمة أو يرفضها، فإن رفضها خسر الاثنان. الإنسان الاقتصاديّ يقبل أيّ مبلغٍ موجب مهما صغر، لأنّه أفضل من لا شيء. لكنّ كثيرًا من الناس يرفضون العروض التي يرونها مجحفة، فيضحّون بمكسبٍ صغير ليعاقبوا من رأوه ظالمًا. ويلاحظ أيضًا أنّ كثيرًا ممّن يقسمون يعرضون قسمةً أقرب إلى الإنصاف ممّا يقتضيه الحساب الأنانيّ الصرف. والدرس أنّ العدالة ليست ترفًا أخلاقيًّا خارج الاقتصاد، بل عاملٌ يدخل في القرار فعلًا.
كيف تقيّد العدالة سلوك الشركات؟
تعرف الشركات التي تتعامل مع زبائنها مرارًا أنّ الثقة رأس مال. ولذلك تتجنّب كثيرٌ منها رفع الأسعار بحدّة في أوقات الطلب المفاجئ، أو خفض أجور العاملين الحاليّين حتّى حين يسمح السوق بذلك، لأنّ الكسب المؤقّت قد يكلّفها سمعتها وولاء زبائنها وحماسة موظّفيها. وهذا يفسّر بعض الظواهر التي تبدو غريبة في النموذج التقليديّ: أسعار لا ترتفع كما يتوقّع الحساب، وأجور «لزجة» لا تنخفض بسهولة، وشركات تفضّل الطوابير على رفع السعر. ويلاحظ القارئ هنا صلةً بدليل الخنادق الاقتصاديّة، فالسمعة والثقة من أصعب المزايا التنافسيّة تقليدًا.
مثالٌ توضيحيّ من عندنا
تخيّل متجرًا افتراضيًّا لبيع مستلزمات المدارس في حيٍّ سكنيّ، يأتي إليه الأهالي كلّ سنة. في أسبوع العودة إلى المدارس يرتفع الطلب بشدّة، فيفكّر صاحبه في رفع الأسعار بنسبةٍ كبيرة لأنّ الناس «مضطرّون». قد يربح أكثر في ذلك الأسبوع، لكنّ الأهالي سيتذكّرون، وقد يتّجهون في السنة التالية إلى متجرٍ آخر أو إلى الشراء المبكّر من مكانٍ بعيد. بينما المتجر الذي يحافظ على أسعاره ويكتفي بتنظيم الطوابير قد يكسب ولاءً يدوم سنوات. والمثال افتراضيّ، وغرضه أن يُظهر كيف تدخل العدالة في الحساب الطويل حتّى لو غابت عن الحساب القصير.
ماذا يعني هذا للمستثمر؟
يفيد هذا الفهم المستثمر من زاويتين. الأولى أنّه يساعده على قراءة الشركات: فالشركة التي تبني أرباحها على استغلال زبائنها قد تبدو مربحةً اليوم، لكنّها تراكم خطرًا على سمعتها وعلاقتها بالجهات الرقابيّة. والثانية أنّه يذكّره بأنّ الأسعار والأجور لا تتحرّك دائمًا كما تتوقّع النماذج البسيطة، لأنّ البشر لا يقبلون كلّ ما يسمح به الحساب. ويعرض درس التدفّق النقديّ الحرّ كيف نفرّق بين الربح المستدام والربح الذي يأتي على حساب المستقبل.
أنهينا بهذا الفصل الجزء الذي يتناول القرارات اليوميّة. وفي الفصل التالي ندخل إلى عالم الأسواق الماليّة مباشرة، ونسأل: إذا كان المستثمرون بشرًا لا كائناتٍ اقتصاديّة، فهل يمكن أن تبالغ الأسعار في ردّ فعلها على الأخبار؟ وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في الاقتصاد السلوكيّ لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.