من أشهر المسائل التي ناقشها الاقتصاديّون في العقود الأخيرة سؤالٌ يبدو بسيطًا: لماذا كانت عوائد الأسهم على المدى الطويل، في كثيرٍ من الأسواق والفترات التاريخيّة، أعلى بفارقٍ كبير من عوائد السندات الحكوميّة؟ وفي هذا الفصل نشرح لماذا عُدّ هذا الفارق لغزًا، وكيف اقترح ثالر وزميلٌ له تفسيرًا سلوكيًّا له، وما الدرس الذي يحمله لعاداتنا في متابعة أموالنا. ونعرض ذلك بعبارةٍ عامّة، دون أرقام الدراسات أو تفاصيلها.
ما هي علاوة الأسهم ولماذا صارت لغزًا؟
علاوة مخاطر الأسهمالعائد الإضافيّ الذي يحصل عليه المستثمرون، في المتوسّط وعلى المدى الطويل، مقابل امتلاك الأسهم المتقلّبة بدل الأصول الأقلّ خطرًا كالسندات الحكوميّة قصيرة الأجل. وهو متوسّطٌ تاريخيّ لا وعدٌ لأيّ فترةٍ مقبلة. هي الفارق بين ما حقّقته الأسهم وما حقّقته الأصول الأقلّ خطرًا. ومن الطبيعيّ أن يطلب المستثمر عائدًا أعلى مقابل تحمّل التقلّب. لكنّ النماذج الاقتصاديّة التقليديّة، حين حاولت تفسير حجم هذا الفارق تاريخيًّا بدرجة النفور العاديّة من المخاطر، وجدت أنّه أكبر بكثير ممّا تتوقّعه، إلّا إذا افترضنا أنّ الناس يخافون المخاطر خوفًا مبالغًا فيه لا ينسجم مع سلوكهم في مواقف أخرى. ومن هنا جاء اسم «لغز علاوة الأسهم». ويشرح درس علاوة مخاطر الأسهم المفهوم وطرق تقديره، كما يعرّف المسرد علاوة المخاطر بوجهٍ عامّ.
التفسير السلوكيّ: النفور من الخسارة مع النظر القصير
يجمع التفسير الذي يعرضه الكتاب بين فكرتين رأيناهما في فصولٍ سابقة. الأولى النفور من الخسارة: أنّ ألم الخسارة أشدّ من لذّة ربحٍ يساويها. والثانية الحسابات الذهنيّة: أنّ الناس يقيّمون استثماراتهم على فتراتٍ محدّدة، ويحسبون الربح والخسارة في كلّ فترةٍ منفصلةً عن غيرها. وحين تجتمعان مع فترة تقييمٍ قصيرة، ينشأ ما يسمّى النفور قصير النظر من الخسارةاجتماع النفور من الخسارة مع تقييم الاستثمارات على فتراتٍ قصيرة ومتكرّرة، فيكثر ما يراه المستثمر من خسائر مؤقّتة تؤلمه، فيرى الأصول المتقلّبة أخطر ممّا هي على أفقه الحقيقيّ، ويطلب لامتلاكها تعويضًا أكبر أو يقلّل منها.: فالأسهم على مدى يومٍ أو أسبوع تتراجع كثيرًا، وكلّ تراجعٍ يؤلم، فيبدو امتلاكها مرهقًا، فيطلب المستثمرون عائدًا أكبر لتحمّلها، أو يتجنّبونها رغم أنّ أفقهم الحقيقيّ طويل.
كلّما نظرت أكثر رأيت خسائر أكثر
الآليّة هنا رياضيّةٌ ونفسيّة في آن. فالأصل الذي يتّجه في المتوسّط إلى الصعود على المدى الطويل يتذبذب صعودًا وهبوطًا على المدى القصير. ومن ينظر إليه كلّ يوم سيرى عددًا كبيرًا من الأيّام الحمراء، بينما من ينظر إليه مرّةً في السنة سيرى خسائر أقلّ تكرارًا، ومن ينظر إليه كلّ عدّة سنوات سيرى خسائر أندر في المتوسّط التاريخيّ، وإن لم يكن ذلك مضمونًا في كلّ فترة. والأصل نفسه لم يتغيّر، ما تغيّر هو عدد المرّات التي نمنح فيها أنفسنا فرصةً للشعور بالألم. ويعرض درس تجمّع التقلّب كيف تتركّز الحركات الحادّة في فتراتٍ بعينها، ويشرح مقال خرافة توقيت السوق كلفة الخروج والدخول بدافع القلق.
مثالٌ توضيحيّ من عندنا
تخيّل مستثمرَين افتراضيَّين يملكان المحفظة نفسها، ولكلٍّ منهما أفقٌ يتجاوز خمس عشرة سنة. الأوّل ثبّت تطبيق الوساطة على شاشة هاتفه الرئيسيّة، فيرى قيمة محفظته عدّة مرّاتٍ في اليوم، ويشعر بالانقباض في كلّ تراجع، حتّى قرّر بعد موسمٍ متقلّب أن يقلّص حصّة الأسهم كثيرًا «ليرتاح». والثاني يراجع محفظته مرّةً كلّ ثلاثة أشهر وفق قائمةٍ مكتوبة، ويعيد التوازن حين تبتعد النسب عن خطّته. قد يمرّ الاثنان بالتقلّبات نفسها، لكنّ تجربتهما النفسيّة مختلفة، وقراراتهما مختلفة تبعًا لذلك. والمثال افتراضيّ، وغرضه بيان أثر تكرار المراقبة، لا اقتراح نسبةٍ معيّنة للأسهم أو وعدٍ بنتيجة.
دروسٌ عمليّة مع تحفّظاتٍ ضروريّة
الدرس الأوّل أن يتّسق تكرار مراجعة المحفظة مع الأفق والخطّة: فالمدّخر لتقاعدٍ بعيد لا يحتاج إلى قراءة قيمة محفظته كلّ ساعة. والثاني أن تُحدَّد قواعد المراجعة وإعادة التوازن مسبقًا، فلا تتحكّم تقلّبات اليوم في القرار. لكنّ هذا لا يعني أنّ الأسهم مناسبةٌ للجميع بأيّ نسبة، ولا أنّ عوائدها التاريخيّة ستتكرّر، فقد تمرّ الأسواق بفتراتٍ طويلة ضعيفة. وحصّة الأصول المتقلّبة تتحدّد بقدرة المرء على تحمّل المخاطر وحاجته إلى السيولة. ويعرض دليل الأسهم على المدى الطويل صورة العوائد التاريخيّة، ويشرح درس إعادة التوازن كيف تُكتب قواعد المراجعة.
رأينا في هذا الفصل كيف يمكن لعادةٍ بسيطة كتكرار النظر إلى المحفظة أن تؤثّر في الأسعار وفي قراراتنا. وفي الفصل التالي نعود إلى سؤال كفاءة السوق من زاويةٍ أخرى: إذا ظهرت أخطاءٌ في الأسعار، فلماذا لا يسارع المحترفون إلى تصحيحها؟ وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في الاقتصاد السلوكيّ لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.