كلّ ما عرضناه في الفصول السابقة يصطدم باعتراضٍ قويّ يطرحه أنصار كفاءة الأسواق: إذا كانت الأسعار تبتعد عن القيمة بهذا القدر، فلماذا لا يستغلّ المستثمرون المطّلعون ذلك ويعيدونها إلى مكانها؟ يأخذ الكتاب هذا الاعتراض بجدّيّة، ويعرض أشكاله المختلفة، ثمّ يردّ عليها ردًّا لا ينكر ما فيها من حقيقة، بل يحدّد أين تقف حدودها.
الاعتراض الأوّل: المال الذكيّ سيصحّح الخطأ
يقول الاعتراض إنّ المستثمرين المحترفين سيبيعون الأصل المبالغ في سعره ويشترون المقوّم بأقلّ من قيمته، فيعيدون الأسعار إلى التوازن. ويردّ الكتاب، ومعه أدبيّاتٌ واسعة في التمويل السلوكيّ، بأنّ هذا التصحيح تحدّه حدود المراجحةالقيود والتكاليف والمخاطر التي تمنع المستثمرين المطّلعين من تصحيح أخطاء التسعير بالكامل، مثل صعوبة البيع على المكشوف وتكلفته، وطول فترة الانتظار، وخطر أن يتّسع الخطأ قبل أن يُصحَّح فيُجبَر المراهن على الخروج.. فالمراهنة ضدّ فقاعة تتطلّب البيع على المكشوف أو الابتعاد عن السوق سنوات، ومن يفعل ذلك قد يخسر عملاءه أو رأس ماله قبل أن يثبت صوابه. بل إنّ بعض المحترفين قد يجدون من الأربح لهم أن يركبوا موجة الارتفاع بدل معاكستها. ويروي دليل عندما فشلت العبقريّة كيف يمكن لرهانٍ صحيحٍ في جوهره أن ينهار قبل أن تتقارب الأسعار.
الاعتراض الثاني: لا أحد يتفوّق على السوق باستمرار
يقول الاعتراض إنّ صعوبة تفوّق المحترفين على المؤشّرات دليلٌ على أنّ الأسعار صحيحة. ويوافق الكتاب على أنّ التفوّق المنتظم صعبٌ فعلًا، لكنّه يرفض القفز من ذلك إلى أنّ الأسعار قريبةٌ من القيمة. فقد تكون الأخطاء كبيرة، لكنّ توقيت تصحيحها مجهول، فيصعب تحويلها إلى أرباحٍ منتظمة. ومثالٌ توضيحيّ من عندنا: قد تعرف أنّ نهرًا سيفيض يومًا ما، دون أن تعرف في أيّ موسم، فلا تستطيع أن تبني تجارةً رابحة على هذه المعرفة، ومع ذلك تبقى المعرفة صحيحة. ويشرح مقال خرافة توقيت السوق لماذا يفشل أكثر من يحاولون تحويل هذه المعرفة إلى توقيت.
الاعتراض الثالث: الأسهم تتفوّق دائمًا على المدى الطويل
يقول بعض المتفائلين إنّ الأسهم تفوّقت تاريخيًّا على السندات والنقد في كلّ فترةٍ طويلة، فلا داعي للقلق من التقييم. ويرى الكتاب أنّ هذه الفكرة نفسها قد تتحوّل إلى جزءٍ من رواية العصر الجديد: فإذا اقتنع الجميع بأنّ الأسهم لا تخسر على المدى الطويل، ارتفعت أسعارها إلى مستوياتٍ تقلّل عوائدها اللاحقة. كما أنّ «المدى الطويل» في التاريخ قد يشمل عقودًا من الأداء الضعيف بعد ذرواتٍ مرتفعة. ويعرض دليل الأسهم على المدى الطويل وجهة النظر المقابلة بتوسّع، ومن المفيد قراءة الدليلين معًا.
الردّ الأعمق: التقلّب المفرط
يستند الكتاب في ردّه إلى أبحاثٍ اشتهر بها شيلر منذ ثمانينيّات القرن العشرين، تُعرف بفكرة التقلّب المفرطنتيجةٌ بحثيّة تقول إنّ أسعار الأسهم الإجماليّة تتقلّب أكثر بكثير ممّا تبرّره التغيّرات اللاحقة الفعليّة في الأرباح والتوزيعات، وهو ما يصعب تفسيره إذا كانت الأسعار مجرّد تقديرٍ عقلانيّ للقيمة المستقبليّة.. فلو كانت الأسعار تقديرًا عقلانيًّا لما ستدفعه الشركات من أرباحٍ مستقبليّة، لكان ينبغي أن تكون أهدأ من تلك الأرباح، لأنّ التقدير يُنعّم الأخطاء. لكنّ الواقع أظهر العكس على مستوى السوق ككلّ. ومن هنا يتبنّى الكتاب صيغةً مشهورة في أدبيّات التمويل: قد تكون الأسواق أقرب إلى الكفاءة في تسعير الأسهم الفرديّة بعضها مقابل بعض، وأبعد عنها في تسعير السوق ككلّ. ويقدّم دليل الأسواق التكيّفيّة إطارًا ثالثًا يحاول الجمع بين المعسكرين.
ناقشنا في هذا الفصل الجدل النظريّ. في الفصل التالي نرى كيف مدّ الكتاب في طبعاته اللاحقة إطاره إلى سوقين آخرين: العقار والسندات. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في فهم الفقاعات وسلوك الأسواق لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.