إذا كانت الصدمة هي الشرارة، فالائتمان هو الوقود. هذه من أوضح أطروحات الكتاب: لا يمكن أن تستمرّ موجة هوسٍ كبيرة دون أن يتوسّع الاقتراض ليموّلها. فالحماسة وحدها لا تشتري أصولًا، والذي يشتريها هو المال، وفي فترات النشوة يأتي جزءٌ كبيرٌ من هذا المال من الاقتراض. ولهذا يرى الكتاب أنّ فهم الأزمات يتطلّب فهم كيف تتمدّد النقود والائتمان مع التفاؤل وتنكمش مع التشاؤم.
الائتمان يتمدّد من الداخل
قد يُظنّ أنّ كمّيّة النقود يحدّدها البنك المركزيّ وحده، لكنّ الكتاب يرى الصورة أكثر تعقيدًا. فالبنوك التجاريّة تخلق الائتمان حين تُقرض، والتجّار يمنح بعضهم بعضًا ائتمانًا، وتظهر في كلّ عصرٍ أدواتٌ جديدة تؤدّي وظيفة النقود دون أن تحمل اسمها. وكلّما حاولت السلطات ضبط شكلٍ من أشكال الإقراض ظهر غيره خارج نطاق رقابتها. ومثالٌ توضيحيّ من عندنا: إذا شدّدت السلطات شروط القروض المصرفيّة لشراء العقارات، فقد يظهر مطوّرون يقدّمون تقسيطًا مباشرًا، أو صناديق تموّل المشترين خارج البنوك، فيستمرّ تدفّق الائتمان من بابٍ آخر. ولهذا يشكّك الكتاب في فكرة أنّ ضبط رقمٍ واحد لعرض النقود يكفي لمنع الهوس. وتجد في مسرد سعر الفائدة تعريف الأداة الأشهر التي تستعملها البنوك المركزيّة للتأثير في كلفة الاقتراض.
ثلاثة أنواعٍ من المقترضين
من أكثر أفكار مينسكي فائدةً، وقد اعتمد عليها الكتاب، تصنيف المقترضين بحسب قدرتهم على السداد. فهناك من يسدّد الأصل والفائدة من دخله المنتظم، وهو أكثرهم أمانًا. وهناك من يكفي دخله لسداد الفائدة فقط، فيحتاج إلى تجديد القرض عند استحقاقه، وهو معرّضٌ لخطر انغلاق باب الإقراض. وهناك صنفٌ ثالث سمّاه مينسكي تمويل بونزيفي تصنيف الاقتصاديّ هايمن مينسكي، وضعٌ لا يكفي فيه دخل المقترض حتّى لسداد الفائدة، فيعتمد على ارتفاع سعر الأصل الذي اشتراه أو على اقتراضٍ جديد ليفي بالتزاماته، فيصبح رهينةً لاستمرار الارتفاع.، لا يكفي فيه الدخل حتّى لسداد الفائدة، فيعتمد صاحبه على ارتفاع سعر الأصل أو على قرضٍ جديد. والفكرة المهمّة أنّ نسبة الصنفين الأخيرين تزداد كلّما طالت فترة الازدهار، فيتحوّل النظام تدريجيًّا من بنيةٍ متينة إلى بنيةٍ هشّة دون أن يلاحظ أحد. ويشرح درس الرافعة الماليّة كيف تتضخّم الخسائر حين يكون الاقتراض كبيرًا نسبةً إلى رأس المال.
حين تصبح الضمانات هي الدخل
في أواخر الدورة يتغيّر منطق الإقراض نفسه. ففي البداية يسأل المقرض: هل يملك هذا المقترض دخلًا يكفي للسداد؟ ثمّ يتحوّل السؤال تدريجيًّا إلى: هل الضمان كافٍ؟ وبما أنّ قيمة الضمان ترتفع مع ارتفاع الأسعار، يبدو كلّ قرضٍ آمنًا ما دامت الأسعار ترتفع. وهنا يكمن الخطر: فالقرار الائتمانيّ صار مرتبطًا بالسعر نفسه الذي يموّله، فإذا توقّف الارتفاع انهار الأساس الذي قام عليه الإقراض كلّه. ويعرض درس فروق الائتمان كيف تضيق العلاوة التي يطلبها المقرضون في أوقات التفاؤل وتتّسع في أوقات الخوف. وقد عالج دليل مبادئ للتعامل مع أزمات الديون الكبرى دورات الدين بتفصيلٍ أكبر من زاوية صانع السياسة، كما تناول دليل خيمياء المال الحلقة بين قيمة الضمانات والإقراض من زاوية الانعكاسيّة.
عرضنا في هذا الفصل الوقود الذي يغذّي الهوس. في الفصل التالي ننظر إلى ما يحدث حين يشتعل: النشوة، والأصول التي تتّجه إليها المضاربة، والعلاقة بين العارفين والقادمين المتأخّرين. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في فهم الأزمات الماليّة لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.