حين تجتمع الصدمة والائتمان تبدأ الأسعار بالارتفاع، ويرى الأوائل أرباحًا ملموسة، فيتحدّث الناس عنها، فيدخل غيرهم. وفي لحظةٍ ما يتغيّر طابع السوق: لم يعد السؤال عن قيمة الأصل أو دخله، بل عن مدى ارتفاعه القادم. هذه هي مرحلة النشوة التي يتوقّف عندها الكتاب طويلًا، ويرى فيها ملامح تتكرّر مهما اختلف الزمان والمكان.
من الاستثمار إلى الشراء لإعادة البيع
يميّز الكتاب بين الشراء من أجل العائد الذي يدرّه الأصل، والشراء من أجل بيعه بسعرٍ أعلى. والتحوّل من الأوّل إلى الثاني هو علامة النشوة. فحين يشتري الناس أرضًا لأنّهم يتوقّعون أن يبيعوها بعد أشهرٍ بربح، لا لأنّهم سيزرعونها أو يبنون عليها، يصبح السعر معتمدًا على استمرار تدفّق مشترين جدد. ويستعمل الكتاب هنا فكرة المضاربة المزعزعة للاستقرارمضاربةٌ لا تقرّب الأسعار من قيمتها بل تبعدها عنها، لأنّ المضاربين يشترون لأنّ السعر يرتفع ويبيعون لأنّه ينخفض، فيضخّمون الحركة في الاتّجاهين بدل أن يعاكسوها.، في مقابل النظرة التقليديّة التي ترى أنّ المضاربين يشترون حين تنخفض الأسعار ويبيعون حين ترتفع فيقرّبونها من قيمتها. ففي النشوة يفعل كثيرٌ من المضاربين العكس: يلاحقون الاتّجاه فيضخّمونه. ويوضّح درس الفرق بين الاستثمار والمضاربة والمقامرة هذه الحدود، ويشرح درس الخوف من تفويت الفرصة الدافع النفسيّ الذي يجذب القادمين الجدد.
موضوعات المضاربة تتغيّر والنمط يبقى
يلاحظ الكتاب أنّ الأصل الذي تتّجه إليه المضاربة يتغيّر من عصرٍ إلى آخر: فقد كان أحيانًا سلعًا كالتوابل أو بصيلات الزهور، وأحيانًا أسهم شركاتٍ تجاريّة كبرى، وأحيانًا أراضيَ في مناطق ناشئة، وأحيانًا سككًا حديديّة أو مناجم، وأحيانًا عملاتٍ أو سنداتٍ لدولٍ بعيدة، وأحيانًا عقاراتٍ في مدنٍ بعينها. والعبرة أنّ الخصائص المشتركة أهمّ من الأصل نفسه: قصّةٌ مقنعة، وصعوبةٌ في تقدير القيمة بدقّة، وإمكانيّة الشراء بالاقتراض، وسوقٌ يسهل الدخول إليه. ومثالٌ توضيحيّ من عندنا: أصلٌ جديد لا تاريخ له ولا دخل واضحًا يدرّه يكون أكثر قابليّةً للمبالغة من أصلٍ قديم معروف الأرباح، لأنّ غياب المرجع يترك مساحةً واسعة للخيال. وقد روى دليل الأوهام الشعبيّة الاستثنائيّة وجنون الحشود نماذج قديمة لهذه الحالات من زاويةٍ اجتماعيّة.
العارفون والقادمون المتأخّرون
يقسم الكتاب المشاركين في دورة الهوس إلى فئتين عريضتين. الأولى هي العارفون: من يملكون معلوماتٍ أو خبرةً أو قربًا من مصدر القصّة، كالمروّجين والمصرفيّين والمضاربين المحترفين. والثانية هي القادمون من الخارج: جمهورٌ لم يكن مهتمًّا بالأسواق، جذبته أخبار الأرباح فدخل متأخّرًا. وكثيرًا ما يكون نمط الدورة أنّ العارفين يدخلون مبكّرًا، ويغذّون الارتفاع أحيانًا بالترويج، ثمّ يبيعون للقادمين المتأخّرين قرب الذروة. ولا يعني هذا أنّ كلّ العارفين يخرجون في الوقت المناسب، فبعضهم ينجرف مع الموجة ويخسر، لكنّ الخسارة الأكبر تقع غالبًا على من دخل أخيرًا. وقد أظهر دليل الحماسة غير العقلانيّة كيف تنتقل القناعات بين الناس عبر الأحاديث ووسائل الإعلام، ويشرح درس علم نفس التداول كيف يؤثّر هذا المناخ في القرارات الفرديّة.
عرضنا في هذا الفصل ملامح النشوة ومن يشارك فيها. في الفصل التالي نتابع ما يحدث حين يبدأ الشكّ بالتسلّل: مرحلة الضيق، ثمّ النفور والذعر والاندفاع نحو السيولة. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في فهم الأزمات الماليّة لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.