كلّ دورة هوسٍ تبدأ بحدثٍ ما. وقد يبدو هذا بديهيًّا، لكنّ الكتاب يرى في طبيعة هذا الحدث مفتاحًا لفهم ما يليه. فالصدمة الأولى ليست بالضرورة كارثة، بل كثيرًا ما تكون خبرًا سارًّا: اختراعٌ يفتح آفاقًا جديدة، أو سلامٌ ينهي حربًا، أو إصلاحٌ يحرّر قطاعًا كان مقيّدًا. والمهمّ فيها أنّها تزيح الحسابات القديمة وتضع مكانها حساباتٍ جديدة.
ما الصدمة المُزيحة؟
يستعمل النموذج مصطلح الصدمة المُزيحةحدثٌ خارجيّ أو تحوّلٌ كبير يغيّر توقّعات الربح في قطاعٍ أو أكثر من الاقتصاد، فيفتح فرصًا جديدة ويغلق أخرى، ويدفع رؤوس الأموال إلى إعادة التموضع، فيكون نقطة انطلاقٍ محتملة لدورة توسّعٍ وهوس. لوصف هذه الشرارة. والكلمة مختارةٌ بعناية: فالحدث لا يضيف فرصةً فحسب، بل يزيح التوازن السابق. فإذا كان المستثمرون موزّعين على قطاعاتٍ بنسبٍ مستقرّة، جاء الحدث ليجعل بعض القطاعات أكثر جاذبيّةً فجأة، فتتدفّق الأموال نحوها، ويرى الأوائل أرباحًا حقيقيّة، فيجذبون غيرهم. والعبرة هنا ليست بطبيعة الحدث بل بحجمه: فلا بدّ أن يكون كبيرًا بما يكفي ليغيّر الصورة لقطاعٍ مهمّ من الاقتصاد.
أشكالٌ متعدّدة عبر التاريخ
يلاحظ الكتاب أنّ الصدمات تأتي في أثوابٍ مختلفة. فبعضها تقنيّ: كالسكك الحديديّة في القرن التاسع عشر، والسيّارات والراديو في عشرينيّات القرن العشرين، والإنترنت في أواخره. وبعضها سياسيّ أو عسكريّ: كنهاية حربٍ طويلة تفتح أسواقًا كانت مغلقة وتعيد توجيه الإنفاق. وبعضها ماليّ: كتحرير القطاع المصرفيّ من قيوده، أو فتح أسواقٍ ناشئة أمام رؤوس الأموال الأجنبيّة، أو ظهور أداةٍ ماليّة جديدة تسهّل الاقتراض. وبعضها يتعلّق بالسلع: كاكتشاف مناجم ذهبٍ جديدة أو قفزةٍ حادّة في أسعار موردٍ مهمّ. ويضيء درس تدوير القطاعات كيف تنتقل الأموال بين القطاعات حين تتغيّر الظروف.
قصّةٌ فيها شيءٌ من الحقيقة
من أعمق ما في هذا الجزء من الكتاب أنّ الفقاعات لا تبدأ عادةً بأوهامٍ خالصة. فالسكك الحديديّة غيّرت التجارة فعلًا، والإنترنت غيّر حياة الناس فعلًا. لكنّ المشكلة كانت في المبالغة: في تقدير سرعة تحقّق الأرباح، وفي افتراض أنّ كلّ شركةٍ تحمل الاسم الجديد ستكون رابحة، وفي نسيان أنّ المنافسة ستأكل جزءًا كبيرًا من العوائد. ومثالٌ توضيحيّ من عندنا: تقنيةٌ جديدة قد تخلق قيمةً هائلة للمجتمع كلّه، لكنّ هذه القيمة قد تذهب في معظمها إلى المستهلكين على شكل أسعارٍ أرخص، لا إلى المساهمين على شكل أرباح. ولهذا يصعب الحكم في البداية، لأنّ التفاؤل المبرَّر يختلط بالمبالغة. وقد ناقش دليل الحماسة غير العقلانيّة دور هذه الروايات في تبرير الأسعار المرتفعة، ويذكّرنا درس الأرباح والتوقّعات بأنّ الأسعار تتحرّك بالتوقّعات لا بالواقع وحده.
ويضيف الكتاب أنّ الصدمة وحدها لا تكفي لصنع الهوس. فقد تأتي صدماتٌ كبيرة دون أن تتبعها فقاعة، لأنّ الشرط الثاني غائب: أن يتوفّر الوقود الذي يحوّل الحماسة إلى قوّةٍ شرائيّة. وهذا الوقود هو الائتمان، موضوع الفصل التالي.
توقّفنا في هذا الفصل عند الشرارة التي تطلق الدورة. في الفصل التالي ننتقل إلى الوقود: دور النقود والائتمان في تحويل الحماسة إلى هوس. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في فهم الأزمات الماليّة لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.