بدأ ويليام بيرنستين حياته المهنيّة طبيبًا لا مديرًا للأموال، ثمّ دفعه البحث عن طريقةٍ معقولة لإدارة مدّخراته إلى قراءة الأبحاث الأكاديميّة في الاستثمار، فخرج بكتابٍ يحاول أن يضع خلاصتها بين يدي المستثمر العاديّ. وننبّه منذ البداية إلى أنّه شخصٌ غير بيتر بيرنستين صاحب «ضدّ الآلهة» الذي تجد دليله في مكتبة أُسس، وإن كان الاثنان يلتقيان في الاهتمام بالمخاطرة. ويبدأ هذا الدليل من الفكرة التي يقوم عليها كلّ ما بعدها: لا عائد بلا مخاطرة.
لا وجبة مجّانيّة في الأسواق
تخيّل خيارين: إيداعًا قصير الأجل يكاد لا يتغيّر رصيده، وحصّةً في شركاتٍ تتأرجح قيمتها صعودًا وهبوطًا كلّ يوم. لو كان الخياران يعطيان العائد المتوقّع نفسه لما اختار عاقلٌ الثاني، ولذلك لا بدّ أن يَعِد الخيار المتقلّب بعائدٍ أعلى في المتوسّط حتّى يقبل الناس حمله. وهذا الفرق هو ما يسمّى علاوة المخاطرةالعائد الإضافيّ الذي يتوقّعه المستثمر في المتوسّط وعلى المدى الطويل مقابل تحمّل استثمارٍ أكثر تقلّبًا أو عدم يقينٍ من بديلٍ أكثر أمانًا، وهو توقّعٌ لا ضمان.. والفكرة بسيطة لكنّ نتيجتها حاسمة: من يَعِدك بعائدٍ مرتفع دون مخاطرة إمّا لا يفهم ما يبيع، وإمّا يخفي عنك شيئًا. ويعرض درس المفاضلة بين المخاطرة والعائد هذه العلاقة بأمثلةٍ عمليّة.
كيف نقيس المخاطرة؟
يستعمل الباحثون عادةً مقياسًا إحصائيًّا لمدى تشتّت العوائد حول متوسّطها، فالأصل الذي تتراوح عوائده السنويّة بين خسارةٍ كبيرة وربحٍ كبير يُعدّ أخطر من أصلٍ تبقى عوائده قريبةً من متوسّطها. ويسمّى هذا التشتّت التذبذبمدى اتّساع تأرجح عوائد الأصل حول متوسّطها خلال فترةٍ ما، ويُقاس غالبًا بالانحراف المعياريّ، وكلّما اتّسع كان مسار الأصل أقلّ قابليّةً للتوقّع.، وتجد تعريفه المختصر في مسرد التقلّب. لكنّ الكتاب يذكّر بأنّ الرقم وحده لا يكفي، فما يشعر به المستثمر فعلًا هو الهبوط العميق والطويل الذي يختبر أعصابه، وقد تكون المخاطرة الحقيقيّة لمن يدّخر لعقودٍ هي أن يتآكل ماله بفعل التضخّم إن بالغ في الحذر.
الصدفة في المدى القصير
لنفترض للتوضيح فقط أصلًا متوسّط عائده السنويّ ثمانية في المئة وتذبذبه مرتفع. قد يحقّق هذا الأصل في سنةٍ ربحًا بثلاثين في المئة، وفي سنةٍ أخرى خسارةً بعشرين، وقد يمرّ بثلاث سنواتٍ هادئة متتالية فيظنّه المبتدئ آمنًا. ولهذا يحذّر الكتاب من الحكم على أيّ استثمارٍ أو أيّ مديرٍ بنتائج سنةٍ أو سنتين، فالصدفة تتكلّم بصوتٍ عالٍ في المدى القصير، ولا تظهر طبيعة الأصل إلّا عبر فتراتٍ طويلة تشمل أوقات الرخاء والشدّة معًا.
من الأصل الواحد إلى المحفظة
إذا كانت كلّ زيادةٍ في العائد المتوقّع تتطلّب قبول مخاطرةٍ أكبر، فهل يبقى للمستثمر شيءٌ يتحكّم فيه؟ جواب الكتاب أنّ المستثمر لا يحمل أصلًا واحدًا بل محفظة، وأنّ مخاطرة المحفظة ليست مجرّد متوسّطٍ لمخاطر مكوّناتها. وهنا يظهر ما يمكن تسميته الفرصة الوحيدة شبه المجّانيّة في عالم الاستثمار، وهي موضوع الفصول التالية. ويعرض درس العوائد المعدّلة بالمخاطر طريقة المقارنة بين استثماراتٍ مختلفة المخاطر على أساسٍ منصف.
وضعنا في هذا الفصل الأساس الذي يقوم عليه الكتاب كلّه. في الفصل التالي نرى لماذا يرى المؤلّف أنّ طريقة المزج بين فئات الأصول أهمّ من محاولة انتقاء الرابحين. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في توزيع الأصول وإدارة المخاطر لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.