يقضي كثيرٌ من المستثمرين وقتهم في البحث عن السهم القادم الذي سيتضاعف، أو عن اللحظة المثاليّة للدخول والخروج. ويرى بيرنستين أنّ هذا الجهد موجّهٌ في الغالب إلى المكان الخطأ، وأنّ القرار الذي يحدّد معظم ما سيعيشه المستثمر هو قرارٌ أكثر هدوءًا وأقلّ إثارة: كيف يوزّع ماله بين فئات الأصول المختلفة.
ما فئات الأصول؟
تنقسم الاستثمارات إلى عائلاتٍ كبيرة تتشابه أفرادها في سلوكها: أسهم الشركات بأحجامها ومناطقها المختلفة، والسندات بآجالها وجودتها الائتمانيّة، والنقد وما يشبهه، وأصولٌ أخرى كالعقار. وقرار توزيع الأصولتحديد الحصص التي يخصّصها المستثمر من محفظته لفئات الأصول المختلفة، كالأسهم والسندات والنقد، بما يوازن بين العائد المتوقّع والمخاطرة التي يقدر على تحمّلها. هو تحديد نصيب كلّ عائلةٍ من المحفظة. فمحفظةٌ معظمها أسهم ستتأرجح بقوّة وتَعِد بعائدٍ متوقّعٍ أعلى على المدى الطويل، ومحفظةٌ معظمها سندات قصيرة الأجل ستكون أهدأ وأقلّ عائدًا متوقّعًا. وما بينهما طيفٌ واسع من الخيارات.
لماذا يطغى المزيج على الانتقاء؟
حين تهبط سوق الأسهم بقوّة، تهبط معها أغلب الأسهم مهما كانت جودة اختيارها، وحين ترتفع يرتفع أغلبها. ولذلك فإنّ السؤال «كم في المئة من مالي في الأسهم؟» يفسّر تقلّبات المحفظة أكثر بكثير من السؤال «أيّ الأسهم اخترت؟». ولنأخذ مثالًا توضيحيًّا بأرقامٍ مستديرة: في سنةٍ تهبط فيها الأسهم ثلاثين في المئة، ستخسر محفظةٌ نصفها أسهم ونصفها نقدٌ هادئ نحو خمسة عشر في المئة، أمّا محفظةٌ كلّها أسهم فستخسر قرابة الثلاثين مهما كانت مهارة صاحبها في الانتقاء. فالمزيج هو الذي حدّد حجم الصدمة.
شكوكٌ حول الانتقاء والتوقيت
يعرض الكتاب ما توصّلت إليه أبحاثٌ كثيرة: أنّ أغلب من يحاولون التفوّق على السوق، أفرادًا ومديرين محترفين، يتأخّرون عنه بعد خصم التكاليف على المدى الطويل، وأنّ من يتفوّق في فترةٍ نادرًا ما يكرّر تفوّقه في الفترة التالية. والسبب أنّ السوق ساحةٌ يتنافس فيها عددٌ هائل من الأذكياء فتتسعّر المعلومات بسرعة، ثمّ تأتي العمولات والضرائب والأخطاء النفسيّة لتأكل ما يتبقّى. ويناقش دليل جولة عشوائيّة في وول ستريت هذه الفكرة بالتفصيل، ويفنّد درس خرافة توقيت السوق وهم القدرة على اقتناص القمم والقيعان.
البديل: امتلاك السوق نفسه
إن كان انتقاء الرابحين صعبًا ومكلفًا، فالبديل الذي يقترحه هذا التيّار هو امتلاك فئة الأصول كلّها بأدواتٍ واسعة منخفضة الكلفة، مثل صناديق المؤشّراتصندوقٌ استثماريّ يسعى إلى مطابقة أداء مؤشّرٍ سوقيّ عامّ بامتلاك مكوّناته بأوزانها، بدل محاولة انتقاء الرابحين، ولذلك تكون تكاليفه في العادة منخفضة.، ثمّ تركيز الجهد على القرار الأهمّ: الحصص. وتجد في مسرد الصناديق المتداولة شرحًا لأحد أشكال هذه الأدوات، ويشرح درس أوزان المؤشّرات كيف تُبنى المؤشّرات التي تتبعها. وهذا لا يعني أنّ الاستثمار السلبيّ خالٍ من المخاطر، فهو يحمل مخاطر السوق كاملة، لكنّه يتجنّب مخاطر إضافيّة لا يُكافأ عليها المستثمر في المتوسّط. ولا يتضمّن هذا الدليل ترشيح أيّ أداةٍ أو صندوقٍ بعينه.
عرفنا في هذا الفصل لماذا يحتلّ المزيج مركز الصدارة. في الفصل التالي ندخل إلى المفهوم الذي يجعل المزج ذا قيمة أصلًا: الارتباط بين الأصول، وكيف يُخفّف الجمع بين أصولٍ لا تتحرّك معًا تمامًا من تذبذب المحفظة. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في توزيع الأصول وإدارة المخاطر لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.