في الفصل السابع رأينا أنّ فرضيّة السوق الكفؤة تتضمّن فكرتين: أنّه يصعب التفوّق على السوق، وأنّ السعر يساوي القيمة الحقيقيّة. وفي هذا الفصل نعرض كيف يفصل الكتاب بين الفكرتين، ولماذا يمكن أن يكون السعر خاطئًا ويبقى مع ذلك صعب الاستغلال. وسنتناول الفكرة بعبارةٍ عامّة، دون الدخول في الحالات التاريخيّة المحدّدة التي يعرضها الكتاب.
المراجحة في الكتب وفي الواقع
المراجحةمحاولة الاستفادة من اختلاف سعر الأصل نفسه، أو أصولٍ متكافئة، بين سوقين أو صيغتين، بالشراء حيث السعر أقلّ والبيع حيث السعر أعلى. وهي في النظريّة ربحٌ بلا مخاطرة، لكنّها في الواقع كثيرًا ما تحمل مخاطر وتكاليف. في صورتها المثاليّة بسيطة: إن كان الأصل نفسه يُباع بسعرين مختلفين، فاشترِ الرخيص وبِع الغالي، واحصل على الفرق بلا مخاطرة. والحجّة التقليديّة تقول إنّ وجود هؤلاء المراجحين يكفي لتصحيح أيّ خطأ، لأنّهم سيتسابقون إليه حتّى يختفي. لكنّ ما يبيّنه الاقتصاد السلوكيّ أنّ المراجحة في الواقع نادرًا ما تكون بهذا النقاء، وأنّ تصحيح الخطأ قد يحتاج إلى وقتٍ ورأس مالٍ وصبرٍ لا يملكها الجميع.
لماذا يصعب تصحيح الخطأ؟
يعرض الكتاب، ومعه أدبيّاتٌ واسعة، عدّة أسبابٍ تجعل المراجحة محدودة. أوّلها أنّ الخطأ قد يزداد قبل أن يُصحَّح: فمن يراهن على عودة سعرٍ مرتفعٍ أكثر من اللازم إلى الاعتدال قد يرى السعر يواصل الارتفاع أشهرًا. وثانيها أنّ كثيرًا من المراجحين يديرون أموال غيرهم، والمموّلون قد يفقدون صبرهم ويسحبون أموالهم في أسوأ لحظة. وثالثها التكاليف والقيود: فالرهان على انخفاض سعرٍ يحتاج غالبًا إلى البيع على المكشوف، وقد يكون مكلفًا أو صعبًا أو محدود المدّة. ورابعها أنّ الأصول «المتكافئة» قد لا تكون متكافئةً تمامًا، فيبقى خطرٌ لا يُتحوَّط منه. ويروي دليل حين أخفقت العبقريّة كيف يمكن لرهاناتٍ تبدو منطقيّة أن تنهار حين يتّسع الخطأ وتشحّ السيولة.
سعرٌ خاطئ وصعب الاستغلال في آنٍ واحد
الخلاصة الفكريّة لهذا الفصل أنّ القولين «يصعب التفوّق على السوق» و«السعر دائمًا صحيح» ليسا شيئًا واحدًا. فقد يكون السعر بعيدًا عن القيمة المعقولة، ومع ذلك يصعب على أيّ أحدٍ أن يحقّق ربحًا مضمونًا من هذا البعد، لأنّه لا يعرف متى سيُصحَّح الخطأ، ولا يضمن أن يبقى قادرًا على الانتظار. بل إنّ حدود المراجحة قد تكون هي نفسها سبب بقاء الخطأ. وهذا التمييز يفسّر كيف يمكن أن تنشأ فقاعاتٌ تستمرّ طويلًا رغم أنّ كثيرين يرونها. ويعرض دليل الأسواق التكيّفيّة تصوّرًا يجمع بين كفاءة السوق وتقلّب سلوك المشاركين فيها.
مثالٌ توضيحيّ من عندنا
تخيّل صندوقين افتراضيّين يملكان المحفظة نفسها تقريبًا من الأصول، لكنّ أحدهما يتداول في السوق بسعرٍ أعلى بوضوحٍ من قيمة ما يملكه، والآخر بسعرٍ قريبٍ منها. يبدو الحلّ بسيطًا: اشترِ الرخيص وبِع الغالي على المكشوف وانتظر أن يلتقي السعران. لكن ماذا لو استمرّ الفارق في الاتّساع لأنّ المتحمّسين يواصلون شراء الغالي؟ وماذا لو ارتفعت تكلفة الاقتراض للبيع على المكشوف؟ وماذا لو طالب المموّلون باسترداد أموالهم قبل أن يلتقي السعران؟ قد يكون التحليل صحيحًا والنتيجة خسارةً كبيرة. والمثال افتراضيّ تمامًا، وغرضه شرح منطق القيود لا اقتراح استراتيجيّة. ويعرض درس تحليل السيناريوهات كيف نفكّر في المسارات المختلفة قبل أن نلتزم بقرار.
ماذا يعني هذا للمستثمر الفرد؟
الدرس ليس أنّ المستثمر الفرد قادرٌ على اصطياد أخطاء السوق بسهولة، بل العكس: إن كان المحترفون أنفسهم يواجهون قيودًا في استغلالها، فالأولى بالفرد أن يكون متواضعًا. ومن جهةٍ أخرى، يحرّره هذا الفهم من فكرة أنّ السعر الحاليّ حكمٌ نهائيّ على القيمة، فيستطيع أن يسأل بهدوء: ما الذي يفترضه هذا السعر، وهل يبدو معقولًا؟ دون أن يتحوّل السؤال إلى رهانٍ مركّز ومموّل بالاقتراض. ويشرح درس إدارة المخاطر لماذا يبقى الحجم المعتدل شرطًا للبقاء حتّى حين نكون على صواب.
أنهينا بهذا الفصل ما يقوله الكتاب عن الأسواق الماليّة. وفي الفصل الأخير ننتقل إلى الجانب التطبيقيّ الأشهر لأفكار ثالر: الدفعات اللطيفة وهندسة الاختيار، وكيف يمكن تصميم الخيارات لمساعدة الناس على قراراتٍ أفضل، وما الحدود الأخلاقيّة لذلك. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في الاقتصاد السلوكيّ لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.