إذا كانت الأسعار قد ترتفع أحيانًا إلى مستوياتٍ بعيدة عن متوسّطها التاريخيّ، فالسؤال الطبيعيّ: لماذا في هذه الحقبة دون غيرها؟ لا يكتفي الكتاب بالقول إنّ الناس أصابهم الجنون فجأة، بل يبحث عن ظروفٍ ملموسة تغيّرت في العالم المحيط بالسوق، فجعلت التفاؤل أسهل والمشاركة أوسع. ونسمّي هذه الظروف هنا العوامل البنيويّة المُطلِقة، ونعرضها في أربع عائلاتٍ بتقسيمٍ من عندنا يقرّب الفكرة.
التقنية التي تغذّي الخيال
أوّل ما يلاحظه الكتاب أنّ الطفرات الكبرى كثيرًا ما تتزامن مع تقنيةٍ جديدة ظاهرة للجميع: السكك الحديديّة في القرن التاسع عشر، والكهرباء والسيّارات والإذاعة في مطلع القرن العشرين، والإنترنت في أواخره. هذه التقنيات حقيقيّة وتغيّر الحياة فعلًا، لكنّ وضوحها في الحياة اليوميّة يجعل من السهل أن يتخيّل الناس أرباحًا هائلة للشركات المرتبطة بها، حتّى قبل أن تتحقّق تلك الأرباح، وحتّى إن انتهى أكثرها إلى المستهلك لا إلى المساهم. ويعرض دليل الشيطان يأخذ المتأخّر نماذج تاريخيّة لهذا النمط.
المؤسّسات والمنتجات الماليّة
العائلة الثانية تغيّراتٌ في طريقة الوصول إلى السوق نفسها. فحين تنخفض عمولات التداول، وتنتشر صناديق الاستثمار، وتنتقل مسؤوليّة الادّخار للتقاعد من المؤسّسات إلى الأفراد، يزداد عدد من يتابعون الأسعار يوميًّا ومن يملكون حصّةً فيها. وكلّما اتّسعت قاعدة المشاركين اتّسع الجمهور الذي يمكن أن تنتقل إليه الحماسة. ومثالٌ توضيحيّ من عندنا: موظّفٌ لم يكن يفكّر في الأسهم قطّ، يجد نفسه فجأةً مسؤولًا عن اختيار صناديق حسابه التقاعديّ، فيبدأ بمقارنة أدائها الأخير، ويميل بطبيعة الحال إلى ما ارتفع أكثر.
المناخ الاقتصاديّ
العائلة الثالثة تتعلّق بالبيئة الكلّيّة. فانخفاض التضخّم وتراجع أسعار الفائدة وطول فترات النموّ دون ركودٍ حادّ، كلّها تجعل المستثمرين أقلّ خوفًا وأكثر استعدادًا لدفع أسعارٍ أعلى مقابل الأرباح. وبعض هذا منطقيّ، فالفائدة المنخفضة ترفع القيمة الحاليّة للأرباح المستقبليّة. لكنّ الكتاب ينبّه إلى أنّ الناس قد يخلطون بين التضخّم الاسميّ والحقيقيّ، أو يفترضون أنّ الهدوء الحاليّ سيدوم إلى الأبد. ويشرح درس أسعار الفائدة الحقيقيّة الفرق بين الفائدة الاسميّة وما يبقى منها بعد التضخّم.
الثقافة والمزاج العامّ
العائلة الرابعة أقلّ قابليّةً للقياس لكنّها لا تقلّ أثرًا: مزاج المجتمع تجاه الثروة والنجاح التجاريّ. ففي حقبٍ معيّنة يصبح رجال الأعمال نجومًا، وتصبح الأسهم موضوعًا للأحاديث العائليّة، ويتراجع الحرج الاجتماعيّ من المضاربة، وتتّسع شهيّة المخاطرةشهيّة المستثمرين لتحمّل المخاطرة في فترةٍ ما، وتتأثّر بالمزاج العامّ والتجارب الحديثة، فتتّسع في أوقات الرخاء وتنكمش بعد الخسائر الكبيرة. عند شرائح واسعة. ويضاف إلى ذلك عامل الأجيال، فحين تصل أجيالٌ كبيرة إلى سنّ الادّخار يكثر الطلب على الأصول. ويؤكّد الكتاب أنّ أيًّا من هذه العوامل لا يكفي وحده، وأنّ أثرها الحقيقيّ يظهر حين تتراكم معًا.
المُطلِق ليس المضخِّم
الفكرة الأهمّ في هذا الفصل التمييز بين ما يُطلق الحركة وما يضخّمها. فالعوامل البنيويّة قد تبرّر ارتفاعًا معتدلًا في الأسعار، لكنّها نادرًا ما تبرّر وحدها أن يبلغ التقييم ضعف متوسّطه التاريخيّ. ما يحوّل الارتفاع المعقول إلى طفرةٍ مفرطة هو ما يحدث بعد ذلك داخل السوق وفي عقول المشاركين، وهو موضوع الفصل التالي.
رأينا في هذا الفصل الأرض التي تنبت عليها الطفرات. في الفصل التالي ننتقل إلى الآليّة التي تحوّل الشرارة إلى حريق: حلقات التغذية الراجعة. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في فهم الفقاعات وسلوك الأسواق لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.