رأينا في الفصل السابق أنّ الظروف البنيويّة قد تبرّر ارتفاعًا معتدلًا، لكنّها لا تفسّر وحدها أن يتجاوز التقييم متوسّطه التاريخيّ بفارقٍ كبير. ولتفسير هذا التجاوز يقدّم الكتاب فكرةً مركزيّة يعود إليها مرارًا: الأسواق لا تتفاعل مع الأخبار فحسب، بل تتفاعل مع حركتها هي أيضًا. وحين يحدث ذلك تنشأ حلقةٌ تضخّم الحركة الأولى أضعافًا.
كيف تعمل الحلقة
الفكرة في جوهرها هي حلقة التغذية الراجعةآليّةٌ تصبح فيها نتيجة الحركة سببًا لاستمرارها: يرتفع السعر فتتحسّن التوقّعات وتزداد الثقة ويتدفّق مشترون جدد، فيرتفع السعر أكثر، وتعمل الحلقة نفسها في الاتّجاه المعاكس عند الهبوط.. ومثالٌ توضيحيّ من عندنا: يرتفع سهمٌ ما لأسبابٍ معقولة، فيتحدّث عنه من ربح، فيسمع به آخرون ويشترون، فيرتفع أكثر، فتكثر الأحاديث وتتّسع دائرة المهتمّين. وفي كلّ دورةٍ من هذه الدورات يصبح الارتفاع الماضي هو الدليل الذي يستند إليه المشترون الجدد، لا الأرباح ولا القيمة. ويقارن درس الارتداد إلى المتوسّط مقابل الزخم بين هاتين القوّتين المتعاكستين في الأسعار.
ثلاثة محرّكات للحلقة
يمكن تلخيص ما يغذّي الحلقة، بتقسيمٍ من عندنا، في ثلاثة محرّكات متشابكة. الأوّل محرّك التوقّعات: من يرى الأسعار ترتفع سنواتٍ يميل إلى افتراض أنّها ستواصل الارتفاع. والثاني محرّك الثقة: النجاح المتكرّر يرفع ثقة الناس بقدرتهم وبالسوق معًا، فيقلّ حذرهم. والثالث محرّك المقارنة الاجتماعيّة: حين يرى المرء جيرانه وزملاءه يربحون يصعب عليه البقاء خارج السوق، وهو ما يُعرف بالخوف من تفويت الفرصة. ويشرح مقال الخوف من تفويت الفرصة كيف يدفع هذا الشعور إلى قراراتٍ متسرّعة.
شبهٌ بالمخطّطات الهرميّة
يلفت الكتاب إلى تشابهٍ مقلق بين هذه الحلقة الطبيعيّة وبين المخطّطات الهرميّةمخطّطٌ احتياليّ يدفع فيه المنظّم عوائد للمشاركين القدامى من أموال المشاركين الجدد لا من أرباحٍ حقيقيّة، فيبدو ناجحًا ما دام المنضمّون الجدد يتدفّقون، وينهار حين يتباطأ تدفّقهم. الاحتياليّة. ففي الحالتين يعتمد استمرار المكاسب على تدفّق مشاركين جدد، وفي الحالتين تتحوّل قصص الرابحين الأوائل إلى أداة جذبٍ لمن بعدهم. والفرق أنّ الفقاعة لا تحتاج إلى محتالٍ يديرها، بل تنشأ عفويًّا من تفاعل آلاف الناس الذين يصدّقون ما يرونه. ويحذّر مقال عمليّات الاحتيال الاستثماريّ من المخطّطات المقصودة التي تستغلّ الآليّة نفسها.
الحلقة حين تنقلب
ما يرفع السعر يمكن أن يخفضه. فحين يتباطأ تدفّق المشترين الجدد، لأنّ معظم من يمكن إقناعهم قد دخلوا بالفعل، يتوقّف الارتفاع، ثمّ يبدأ بعض الحائزين في البيع، فتتراجع الأسعار، فتضعف الثقة، فيبيع آخرون. وكثيرًا ما يكون الهبوط أسرع من الصعود لأنّ الخوف أشدّ إلحاحًا من الطمع، ولأنّ الرافعة الماليّة التي تراكمت في الصعود تفرض بيعًا قسريًّا في الهبوط. ويعرض درس التراجع والتعافي لماذا يحتاج تعويض الخسائر الكبيرة إلى مكاسب أكبر منها نسبيًّا.
فهمنا في هذا الفصل الآليّة. لكنّ الناس لا يشترون لمجرّد أنّ السعر ارتفع، بل يحتاجون إلى قصّةٍ تقنعهم بأنّ الارتفاع منطقيّ. وهذا موضوع الفصل التالي: روايات العصر الجديد. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في فهم الفقاعات وسلوك الأسواق لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.