روبرت شيلر اقتصاديٌّ أمريكيّ في جامعة ييل، عُرف منذ ثمانينيّات القرن العشرين بأبحاثٍ أظهرت أنّ أسعار الأسهم تتقلّب أكثر بكثير ممّا تبرّره التغيّرات اللاحقة في أرباح الشركات وتوزيعاتها، ونال جائزة نوبل في الاقتصاد سنة 2013 مشاركةً مع اقتصاديَّين آخرين في مجال تسعير الأصول. وقد صدر كتابه هذا في مطلع سنة 2000، والحماسة لأسهم الإنترنت في أوجها، فبدا لكثيرين تحذيرًا في وقته. لكنّ قيمته الأبقى ليست في توقيته، بل في المنهج الذي يقترحه لفهم كيف ترتفع الأسعار وتنخفض بعيدًا عن القيمة. ويبدأ هذا المنهج بخطوةٍ بسيطة: أن ننظر إلى السوق من مسافةٍ بعيدة.
لماذا لا تكفي أرباح عامٍ واحد؟
المقياس الأشهر لتقييم الأسهم هو مكرّر الربحيّة، أي نسبة السعر إلى أرباح السهم. لكنّ أرباح الشركات نفسها تتقلّب مع الدورة الاقتصاديّة: ترتفع في سنوات الرخاء إلى مستوياتٍ قد لا تدوم، وتهبط في سنوات الركود إلى مستوياتٍ قد لا تعبّر عن القدرة الحقيقيّة للشركات. فإذا قسمنا السعر على أرباح سنةٍ استثنائيّة حصلنا على صورةٍ مشوّهة؛ فقد تبدو السوق رخيصةً في قمّة الرخاء لأنّ الأرباح منتفخة، وغاليةً في قاع الركود لأنّ الأرباح منكمشة. ويشرح درس تفكيك مكرّر الربحيّة العناصر التي تتحكّم في هذه النسبة.
فكرة التنعيم
الحلّ الذي اشتهر به شيلر وزميله جون كامبل هو مكرّر الربحيّة المعدّل دوريًّامقياسٌ للتقييم يقسم السعر الحاليّ للسوق على متوسّط الأرباح الحقيقيّة، أي المعدّلة بحسب التضخّم، عبر فترةٍ طويلة تمتدّ عادةً عشر سنوات، بهدف تخفيف أثر الطفرات والركود المؤقّتة في الأرباح.، الذي يُختصر أحيانًا بالحروف اللاتينيّة CAPE. والفكرة في جوهرها أن نقارن السعر لا بأرباح عامٍ واحد، بل بمتوسّط أرباح سنواتٍ كثيرة بعد تحويلها إلى قيمٍ حقيقيّة، فتتوازن فيها سنوات الرخاء مع سنوات الشدّة. ومثالٌ توضيحيّ من عندنا: لو كانت أرباح مؤشّرٍ ما تتراوح بين مستوى منخفض في عامٍ صعب ومستوى مرتفع في عامٍ مزدهر، فإنّ متوسّطها عبر عقدٍ كامل يقترب من الربح «المعتاد» الذي يمكن أن تحقّقه شركات المؤشّر في ظروفٍ عاديّة، وهو أصلح أساسًا للمقارنة.
ما الذي يخبرنا به هذا المقياس؟
يرى الكتاب أنّ النظر إلى هذا المقياس عبر تاريخٍ طويل يكشف أمرين. الأوّل أنّ التقييم يتحرّك في موجاتٍ واسعة، فيرتفع في بعض الحقب إلى مستوياتٍ بعيدة عن متوسّطه ثمّ يعود. والثاني أنّ فترات التقييم المرتفع جدًّا ارتبطت في المتوسّط بعوائد لاحقة أضعف على آفاقٍ طويلة تمتدّ سنواتٍ عدّة، وفترات التقييم المنخفض ارتبطت بعوائد لاحقة أفضل. وهذه علاقةٌ إحصائيّة عامّة لا قانونٌ صارم، وتشتّت النتائج حولها واسع. ويربط درس علاوة مخاطر الأسهم بين مستوى التقييم والعائد الإضافيّ الذي يطلبه المستثمرون مقابل تحمّل مخاطر الأسهم.
وما الذي لا يخبرنا به؟
يحرص الكتاب، ونحرص معه، على حدود هذا المقياس. فهو لا يحدّد موعد أيّ انعطاف، وقد بقي التقييم في حقبٍ عدّة مرتفعًا سنواتٍ طويلة قبل أن يتراجع، كما أنّ المستوى «الطبيعيّ» له قد يتغيّر مع تغيّر أسعار الفائدة وقواعد المحاسبة وتركيبة الشركات في المؤشّر. ولهذا فهو أداةٌ للفهم ولوضع الحاضر في سياقه التاريخيّ، لا أداةٌ للتوقيت. ويذكّرنا درس خرافة توقيت السوق بأنّ معرفة أنّ الأسعار مرتفعة شيءٌ، ومعرفة متى تنخفض شيءٌ آخر تمامًا.
عرضنا في هذا الفصل المنظار الذي ينظر به الكتاب إلى السوق. في الفصل التالي نسأل: إذا كانت الأسعار قد تبتعد عن القيمة، فما الظروف البنيويّة التي تهيّئ الأرض لذلك؟ وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في فهم الفقاعات وسلوك الأسواق لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.