بينما كانت فرضيّة الكفاءة تترسّخ، كان علماء نفسٍ واقتصاديّون يجرون تجارب بسيطة على قرارات الناس، فيجدون نتائج لا تتّفق مع صورة الإنسان الحاسب الذي يزن الاحتمالات بدقّة. ومن هذه الأبحاث نشأ ما يُعرف بالتمويل السلوكيّ. يعرض الكتاب هذه المدرسة باحترام، ويرى أنّها كشفت جانبًا حقيقيًّا من السلوك البشريّ، لكنّه يرى أيضًا أنّها توقّفت في منتصف الطريق.
من الخطأ العشوائيّ إلى الانحياز المنتظم
لم يكن جديدًا أن يُقال إنّ البشر يخطئون، فأنصار الكفاءة أنفسهم يقبلون ذلك، لكنّهم يفترضون أنّ الأخطاء تتوزّع عشوائيًّا فيلغي بعضها بعضًا. الجديد الذي جاءت به المدرسة السلوكيّة هو مفهوم الانحياز المعرفيّميلٌ منتظم في التفكير يدفع كثيرًا من الناس إلى الخطأ في الاتّجاه نفسه عند ظروفٍ متشابهة، فلا يتلاشى أثره بالضرورة حين يجتمع عددٌ كبير منهم.: أنّ الناس يخطئون بطرقٍ متشابهة ويمكن توقّعها. وإذا أخطأ الجميع في الاتّجاه نفسه، فإنّ أخطاءهم لا تلغي بعضها بل تتراكم، وقد تظهر في الأسعار نفسها. ويعرض دليل التفكير السريع والبطيء الأساس النفسيّ لهذه الفكرة بالتفصيل.
عيّنةٌ من الانحيازات
من أشهر ما وثّقته هذه الأبحاث كراهية الخسارةميل الناس إلى الشعور بألم الخسارة أكثر من شعورهم بمتعة ربحٍ مساوٍ لها في الحجم، ممّا يدفعهم أحيانًا إلى قراراتٍ غير متّسقة عند المفاضلة بين الخيارات.، والثقة المفرطة بالقدرة على التقدير، والتأثّر بطريقة عرض الخيار لا بمضمونه، والميل إلى الاحتفاظ بالأصول الخاسرة طويلًا وبيع الرابحة مبكّرًا. وفي الأسواق تظهر هذه الميول في صورٍ مألوفة: مستثمرٌ يرفض الاعتراف بخطئه، وآخر يطارد ما ارتفع للتوّ لأنّ غيره ربح منه. ويجمع درس الانحيازات المعرفيّة في التداول أبرز هذه الأنماط بلغةٍ مبسّطة.
الأسواق في مرآة النقد السلوكيّ
انتقل الباحثون من المختبر إلى بيانات الأسواق، فرصدوا ظواهر يصعب تفسيرها بالكفاءة الكاملة: موجات حماسةٍ وذعر تبتعد فيها الأسعار عن أيّ تقديرٍ معقول، وأنماطًا تستمرّ فيها الاتّجاهات أطول ممّا ينبغي، وأخرى تنعكس فيها المبالغات. ويرى أنصار هذه المدرسة أنّ هذه الظواهر دليلٌ على أنّ البشر لا يصحّحون أخطاءهم دائمًا، وأنّ من يحاولون استغلال الانحرافات قد يعجزون عن ذلك لأنّ المخاطرة أو التكلفة أو الوقت لا تسمح لهم. ويقدّم دليل الاستثمار السلوكيّ قراءةً تطبيقيّة لهذه الأفكار من منظور مدير أموال.
قائمةٌ لا نظريّة
هنا يضع الكتاب إصبعه على ما يراه نقطة الضعف. فالمدرسة السلوكيّة جمعت قائمةً طويلة من الانحيازات، لكنّها لم تقدّم تفسيرًا موحّدًا لمصدرها: لماذا نملك هذه الميول أصلًا؟ ولماذا يظهر بعضها في ظروفٍ ويختفي في أخرى؟ ولماذا تبدو الأسواق في فتراتٍ طويلة قريبةً جدًّا من الكفاءة رغم أنّ المشاركين فيها هم البشر أنفسهم بانحيازاتهم نفسها؟ وتشبيهٌ توضيحيّ من عندنا: قائمة أعراض المرض مفيدة، لكنّ الطبيب يحتاج إلى فهم الآليّة التي تنتجها ليعرف متى تشتدّ ومتى تخفّ. ويرى الكتاب أنّ هذه الآليّة توجد في مكانين: في الدماغ، وفي التاريخ التطوّريّ الذي شكّله.
وضعنا الطرفين وجهًا لوجه. في الفصل التالي نبدأ رحلة الكتاب خارج الاقتصاد، إلى داخل الدماغ، لنفهم ما يحدث فيه حين نواجه المخاطرة والخوف والطمع. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في فهم الأسواق وسلوك المستثمرين لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.