بدل أن يحسم الجدل بين أنصار الكفاءة والسلوكيّين بالحجج الاقتصاديّة وحدها، يقترح الكتاب أن ننظر إلى العضو الذي تصدر منه القرارات كلّها: الدماغ. فقد تطوّرت في العقود الأخيرة أدواتٌ تتيح للباحثين ملاحظة نشاط الدماغ أثناء اتّخاذ القرارات، ونشأ مجالٌ يجمع الاقتصاد بعلم الأعصاب. ولا يدّعي الكتاب أنّ هذا المجال قد فكّ أسرار القرار كلّها، لكنّه يرى أنّ ما عُرف منه يكفي لتغيير طريقة تفكيرنا في المستثمر.
الدماغ ليس آلةً واحدة
الصورة المبسّطة التي يرسمها الكتاب، وهي تبسيطٌ لما هو أعقد بكثير، أنّ الدماغ ليس جهازًا واحدًا يحسب بطريقةٍ واحدة، بل مجموعة أنظمةٍ نشأت في مراحل مختلفة من التطوّر وتعمل أحيانًا بتناغم وأحيانًا بتنافس. فهناك أنظمةٌ قديمة سريعة تتعامل مع الخطر والمكافأة والجوع والخوف، وأنظمةٌ أحدث أبطأ مسؤولةٌ عن التخطيط والحساب والتفكير المجرّد. وفي الظروف العاديّة تتعاون هذه الأنظمة، أمّا تحت الضغط الشديد فقد ترجح كفّة الأنظمة السريعة، فيتصرّف الإنسان قبل أن يفكّر.
الخوف: إنذارٌ سريع قد يخطئ الهدف
تُعرف استجابة الكرّ أو الفرّردّ فعلٍ جسديّ ونفسيّ سريع يهيّئ الإنسان لمواجهة خطرٍ داهم أو الهروب منه، فيرفع الانتباه ويسرّع القرار ويقلّل الاعتماد على التفكير المتأنّي. بأنّها من أقدم أدوات البقاء: أمام خطرٍ داهم لا وقت للتأمّل، والأفضل أن تتحرّك فورًا. لكنّ هذه الاستجابة نفسها قد تنطلق أمام خسائر ماليّة متتالية، فيشعر المستثمر بإلحاحٍ جسديّ للتخلّص من مصدر الألم بأيّ ثمن. ومثالٌ توضيحيّ: مستثمرٌ وضع خطّةً هادئة لمحفظته، ثمّ رأى قيمتها تتراجع يومًا بعد يوم، فوجد نفسه يبيع كلّ شيء في أسوأ لحظة، لا لأنّ تقديره تغيّر بل لأنّ الضغط صار لا يُحتمل. ويشرح درس مؤشّر الخوف كيف يظهر هذا المزاج الجماعيّ في تقلّبات السوق.
الطمع: حين يصبح الربح مكافأة
وعلى الجانب الآخر يملك الدماغ نظام المكافأةمجموعة دوائر عصبيّة تستجيب لتوقّع الأشياء المرغوبة وتحقّقها، فتعزّز السلوك الذي أدّى إليها وتدفع إلى تكراره.، وهو يستجيب للمكسب الماليّ كما يستجيب لمكافآتٍ أخرى. والنتيجة أنّ سلسلةً من الأرباح لا تزيد الرصيد فحسب، بل قد تغيّر المزاج والثقة والاستعداد للمخاطرة، فيدفع النجاح إلى مخاطرةٍ أكبر، ويصعب على صاحبه أن يرى أنّ الظروف التي أنتجت أرباحه قد تتغيّر. وتجد في مسرد الخوف من تفويت الفرصة وصفًا لشعورٍ قريب يدفع الناس إلى اللحاق بما يربحه غيرهم.
لماذا يهمّ هذا في فهم الأسواق؟
يستخلص الكتاب من هذه المعطيات أنّ ما يسمّيه السلوكيّون انحيازاتٍ ليس دائمًا عيبًا في التفكير، بل هو في كثيرٍ من الأحيان عملُ أنظمةٍ قديمة تؤدّي وظيفتها التي صُمّمت لها في بيئةٍ غير البيئة التي نستخدمها فيها اليوم. وحين يتعرّض عددٌ كبير من المشاركين للضغط نفسه في الوقت نفسه، تتشابه ردود أفعالهم، فتتحوّل الاستجابات الفرديّة إلى موجاتٍ جماعيّة من البيع أو الشراء. ويعرض درس سيكولوجيّة التداول كيف يتعامل المتداولون عمليًّا مع هذه الضغوط عبر الخطط والقواعد المسبقة.
رأينا في هذا الفصل كيف يتعامل الدماغ مع الخوف والطمع. في الفصل التالي نسأل سؤالًا قد يبدو مفاجئًا: هل العاطفة عدوّ القرار الجيّد حقًّا، أم أنّها شرطٌ له؟ وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في فهم الأسواق وسلوك المستثمرين لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.