أندرو لو أستاذٌ للتمويل في معهد ماساتشوستس للتقنية، جمع في مسيرته بين البحث الأكاديميّ في الأسواق وإدارة الأموال عمليًّا، واشتهر باهتمامه بالجسور بين التمويل وعلومٍ أخرى كالأحياء وعلم الأعصاب وعلوم الحاسوب. وفي هذا الكتاب يجمع أفكارًا طوّرها على مدى سنوات في إطارٍ واحد، يحاول به أن يجيب عن سؤالٍ قديم: هل الأسواق كفؤة أم لا؟ وجوابه المختصر أنّ السؤال نفسه مطروحٌ بطريقةٍ ناقصة، وأنّ الجواب الأدقّ هو: يعتمد ذلك على البيئة. لكنّ الوصول إلى هذا الجواب يتطلّب أوّلًا أن نفهم الطرفين المتنازعين، ونبدأ هنا بالطرف الأقدم.
الفكرة التي حكمت عقودًا
في النصف الثاني من القرن العشرين ترسّخت في الجامعات ومؤسّسات الاستثمار فكرةٌ تُعرف باسم فرضيّة الأسواق الكفؤةفرضيّةٌ تقول إنّ أسعار الأصول في سوقٍ تنافسيّة تعكس بسرعة المعلومات المتاحة، فيصعب على أيّ مشاركٍ أن يحقّق باستمرار عائدًا يفوق ما يناسب المخاطرة التي يتحمّلها بعد احتساب التكاليف.. ومنطقها بسيطٌ وأنيق: إذا ظهرت معلومةٌ تدلّ على أنّ سهمًا ما أرخص من قيمته، سارع المتنافسون إلى شرائه حتّى يرتفع سعره ويختفي الفرق. ولأنّ آلاف المشاركين يبحثون عن هذه الفرص في الوقت نفسه، فإنّها تُغلق بسرعة، ولا يبقى في الأسعار ما يمكن استغلاله بسهولةٍ ولا بانتظام. ويعرض دليل السير العشوائيّ في وول ستريت هذا المنطق ونتائجه العمليّة بتوسّع.
السير العشوائيّ وما يترتّب عليه
من نتائج هذه الفكرة أنّ التغيّرات المستقبليّة في الأسعار يصعب التنبّؤ بها انطلاقًا من التغيّرات الماضية، لأنّ كلّ ما هو معروف قد دخل السعر بالفعل، والذي يحرّكه بعد ذلك هو الجديد غير المتوقّع، والجديد بطبيعته لا يُعرف مسبقًا. ومن هنا جاءت صورة السعر الذي يسير في خطواتٍ يصعب توقّع اتّجاهها. وقد كان لهذا التصوّر أثرٌ عمليّ كبير: فهو الأساس الفكريّ لانتشار الصناديق التي تتبع المؤشّرات بتكلفةٍ منخفضة بدل محاولة التفوّق عليها، ولكثيرٍ من نماذج تسعير الأصول وإدارة المحافظ التي ما زالت تُدرَّس حتّى اليوم.
قوّة الفكرة وحدودها
يعترف الكتاب بأنّ هذه الفرضيّة من أنجح الأفكار في الاقتصاد، وأنّ قوّتها في بساطتها وفي قدرتها على تفسير صعوبة التفوّق على السوق باستمرار. لكنّه يلفت إلى أنّها تستند إلى افتراضاتٍ عن المشاركين: أنّهم يحسبون ويقارنون ويتصرّفون بما يخدم مصلحتهم، وأنّ أخطاءهم الفرديّة تلغي بعضها بعضًا. فإذا اختلّت هذه الافتراضات، كأن يخطئ الجميع في الاتّجاه نفسه في الوقت نفسه، صار من الممكن أن تنحرف الأسعار عن القيمة انحرافًا كبيرًا ولفتراتٍ طويلة. ويناقش درس الذيول السميكة كيف تحدث في الأسواق تحرّكاتٌ متطرّفة أكثر بكثير ممّا تفترضه النماذج المبسّطة.
السؤال الخاطئ والسؤال الأفضل
يرى الكتاب أنّ الجدل استمرّ طويلًا لأنّ الطرفين يسألان: هل السوق كفؤة أم لا؟ وكأنّ الجواب واحدٌ في كلّ زمانٍ ومكان. أمّا السؤال الذي يقترحه فهو: متى تكون السوق أكثر كفاءة ومتى تكون أقلّ، ولماذا؟ وتشبيهٌ توضيحيّ من عندنا يقرّب الفكرة: سوق خضارٍ في مدينةٍ كبيرة يزورها آلاف المشترين والبائعين كلّ يوم تتقارب فيه الأسعار سريعًا، بينما قد تبقى الفروق كبيرةً في سوقٍ صغير ناءٍ قليل الزوّار. ليست الكفاءة هنا صفةً للسلعة، بل نتيجةٌ لعدد المشاركين ونشاطهم وظروف البيئة. وهذا بالضبط ما سيبنيه الكتاب في الفصول القادمة.
عرضنا في هذا الفصل الطرف الأوّل من الجدل. في الفصل التالي ننتقل إلى الطرف الثاني: المدرسة السلوكيّة التي جمعت أدلّةً على أنّ البشر يخطئون بطرقٍ منتظمة. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في فهم الأسواق وسلوك المستثمرين لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.