إذا كانت القروض العقاريّة عالية المخاطر جزءًا محدودًا من الاقتصاد الأمريكيّ، فكيف استطاعت أن تهزّ النظام الماليّ العالميّ؟ الجواب في عاملين يتكرّران في كلّ أزمةٍ كبرى تقريبًا: الرافعة التي تضخّم الخسائر، والتشابك الذي ينقلها. وهذا الفصل يتتبّع، بعباراتٍ عامّة ووقائع معروفة، كيف انتقلت الصدمة من بيوتٍ في ضواحي المدن إلى أكبر المصارف في العالم بين 2007 و2008.
الرافعة: هامشٌ ضيّق جدًّا للخطأ
كانت مؤسّساتٌ ماليّة كثيرة تعمل بـرافعةٍ ماليّة مرتفعة. مثالٌ بأرقامٍ مستديرة: مؤسّسةٌ تملك أصولًا قيمتها ثلاثون مليارًا، رأس مالها منها مليارٌ واحد فقط والباقي ديون. هذا يعني أنّ تراجع قيمة أصولها بنحو ثلاثة في المئة يكفي لمحو رأس مالها بالكامل. وحين يكون جزءٌ من هذه الأصول أوراقًا مرتبطة بالقروض العقاريّة، فإنّ تراجعًا متوسّطًا في قيمتها يصبح مسألة حياةٍ أو موت. ويشرح درس الرافعة الماليّة كيف تعمل هذه الآليّة في الاتّجاهين.
حين يفقد الجميع الثقة في الجميع
تعتمد المؤسّسات الماليّة على اقتراضٍ قصير الأجل تجدّده باستمرار. فلمّا بدأت الخسائر تظهر، لم يعد أحدٌ يعرف من يحمل الأوراق المتضرّرة وبأيّ حجم، فتردّدت المؤسّسات في إقراض بعضها، وجفّت السيولة في أسواقٍ كانت تعمل بسلاسة. وفي مارس 2008 بيع مصرفٌ استثماريّ كبير في صفقةٍ طارئة بدعمٍ من الاحتياطيّ الفيدراليّ، وفي سبتمبر من العام نفسه أعلن مصرف «ليمان براذرز» إفلاسه، وهو من أكبر الإفلاسات في التاريخ الأمريكيّ، واحتاجت شركة تأمينٍ عملاقة باعت حمايةً ضخمة من التعثّر إلى إنقاذٍ حكوميّ.
البيع القسريّ والعدوى
حين تتراجع قيمة الأصول وتُطلب ضماناتٌ إضافيّة، وهو ما يشبه نداء الهامش على نطاقٍ مؤسّسيّ، تضطرّ المؤسّسات إلى البيع القسريّبيعٌ تُجبَر عليه مؤسّسةٌ أو مستثمرٌ بسرعة وبأسعارٍ أدنى من القيمة العادلة، لتغطية خسائر أو طلبات ضمانٍ أو سحوبات، لا لأنّه يرى السعر مناسبًا.. والبيع يخفض الأسعار، والانخفاض يضرّ بكلّ من يحمل الأصول نفسها، فيضطرّون بدورهم إلى البيع. وفي هذه اللحظات ترتفع الارتباطات بين أصولٍ بدت متباعدة، فيتبخّر التنويع حين تشتدّ الحاجة إليه، وهي فكرةٌ يشرحها درس ارتباط الأصول، ورأيناها في صورةٍ مصغّرة في دليل حين أخفقت العبقريّة.
من القطاع الماليّ إلى الاقتصاد
هذا ما يُسمّى المخاطر النظاميّةخطر أن يؤدّي تعثّر مؤسّسةٍ أو سوقٍ واحدة إلى سلسلةٍ من الخسائر والتعثّرات في مؤسّساتٍ وأسواقٍ أخرى مترابطة معها، بما يهدّد عمل النظام الماليّ كلّه.: مشكلةٌ في قطاعٍ واحد تنتقل عبر شبكة الديون والعقود حتّى تهدّد النظام بأكمله. ومع تجمّد الائتمان تراجع الإنفاق والاستثمار، ودخل الاقتصاد الأمريكيّ ومعه اقتصاداتٌ كثيرة في ركودٍ عميق، وتدخّلت الحكومات والبنوك المركزيّة بحزم إنقاذٍ وخفضٍ حادّ لأسعار الفائدة. وما بدأ تعثّرًا في قروضٍ عقاريّة انتهى بخسارة ملايين الوظائف والمساكن.
تتبّعنا في هذا الفصل كيف تضخّمت الصدمة وانتشرت. في الفصل التالي نجمع الدروس العمليّة: كيف نقرأ التفاصيل الدقيقة، ونتشكّك في وصف «آمن»، ونمارس العناية الواجبة في قراراتنا الماليّة اليوميّة. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في الائتمان والمخاطر والحوافز لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.