من الأسئلة التي تثيرها قصّة الأزمة: كيف شاركت مؤسّساتٌ تضمّ أذكى الخرّيجين وأحدث النماذج في بناء خطرٍ بهذا الحجم؟ وهل كان الجميع غافلين حقًّا؟ يقترح الكتاب جوابًا أكثر إزعاجًا من الغفلة: كثيرون كانوا يتصرّفون بعقلانيّة تامّة وفق الحوافز التي وُضعت أمامهم. والمشكلة لم تكن في الأفراد وحدهم، بل في نظامٍ يكافئ الربح القريب ويؤجّل حساب الخطر البعيد.
المكافأة اليوم والخسارة بعد سنوات
تقوم مشكلة الوكالةحالةٌ يتّخذ فيها طرفٌ (الوكيل) قراراتٍ نيابةً عن طرفٍ آخر (الأصيل) بينما تختلف مصالحهما، كأن يسعى الموظّف إلى مكافأته القريبة بينما يريد المساهمون سلامة المؤسّسة على المدى الطويل. على انفصالٍ بين من يتّخذ القرار ومن يتحمّل نتائجه. مثالٌ توضيحيّ: موظّفٌ يبيع أوراقًا ماليّة معقّدة تدرّ على مؤسّسته أرباحًا محاسبيّة قدرها عشرة ملايين دولار هذه السنة، فيحصل على مكافأةٍ كبيرة في نهايتها. وبعد ثلاث سنوات تتعثّر هذه الأوراق وتخسر المؤسّسة ثلاثين مليونًا. المكافأة لا تُستردّ في الغالب، والموظّف ربما انتقل إلى مكانٍ آخر. وفي نظامٍ كهذا يصبح الإفراط في المخاطرة سلوكًا منطقيًّا لا شذوذًا.
كلّ حلقةٍ تقبض عمولتها وتمرّر الخطر
وامتدّت هذه البنية على طول السلسلة: وسيط القروض يتقاضى عمولته عند التوقيع، والمُقرض يربح حين يبيع القرض، والمصرف الذي يجمع القروض ويورّقها يربح رسومًا على كلّ إصدار، ووكالة التصنيف تتقاضى أجرها على كلّ تقييم. وكلّ حلقةٍ تقبض حصّتها ثمّ تمرّر الخطر إلى الحلقة التالية. والنتيجة سلسلةٌ طويلة لا يملك فيها أحدٌ حافزًا قويًّا للتوقّف، لأنّ التوقّف يعني التخلّي عن دخلٍ مؤكّد اليوم بسبب خطرٍ محتمل غدًا.
حين يُنتظر الإنقاذ
ويضاف إلى ذلك ما يُعرف بـ المخاطرة الأخلاقيّةميلُ طرفٍ إلى تحمّل مخاطرةٍ أكبر لأنّه يتوقّع أن يتحمّل غيره، كالحكومة أو شركة التأمين أو الدائنين، جزءًا من خسارته إن وقعت.. فالمؤسّسات الكبيرة جدًّا قد تتصرّف وكأنّها تعرف أنّ سقوطها لن يُسمح به لأنّه سيجرّ غيرها معه. وهذا التوقّع، سواءٌ صدق أم لا، يشجّع على مخاطرةٍ أكبر ممّا كانت ستأخذه لو علمت أنّها ستتحمّل العاقبة كاملة. وسنرى في الفصل التالي كيف تحوّل هذا السؤال إلى واقعٍ في خريف 2008.
العائد وحده لا يكفي للحكم
والدرس للمستثمر الفرد أنّ الأرباح المسجّلة لا تعني شيئًا قبل أن نعرف المخاطرة التي أنتجتها. فالمؤسّسة التي تربح أكثر من منافسيها بفارقٍ كبير قد تكون أذكى، وقد تكون تحمل خطرًا أكبر لم يظهر بعد. وهذا ما يعالجه درس العوائد المعدّلة بالمخاطر، وهو المعنى الذي يلحّ عليه دليل أهمّ شيء: السؤال ليس كم ربحت، بل كم خاطرت لتربح.
رأينا في هذا الفصل كيف صنعت الحوافز سلوكًا جماعيًّا خطرًا. في الفصل التالي نتتبّع كيف حوّلت الرافعة والتشابك بين المؤسّسات تراجعًا في سوق المساكن إلى أزمةٍ ماليّة عالميّة. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في الائتمان والمخاطر والحوافز لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.