لا تستمرّ النشوة إلى الأبد. ففي لحظةٍ ما يتوقّف تدفّق المشترين الجدد، أو يرتفع سعر الفائدة، أو يفشل مشروعٌ كان رمزًا للموجة، أو يبدأ بعض العارفين بجني أرباحهم. ويرى الكتاب أنّ الانتقال من الصعود إلى الهبوط نادرًا ما يكون فوريًّا، بل يمرّ عادةً بمرحلةٍ وسيطة مضطربة، ثمّ قد ينتهي باندفاعٍ جماعيّ نحو الباب.
الضيق: المرحلة الرماديّة
يسمّي النموذج هذه المرحلة الوسيطة الضيق الماليّمرحلةٌ في دورة الأزمة تلي النشوة، يدرك فيها جزءٌ من المشاركين أنّ الأسعار مبالغٌ فيها وأنّ الديون ثقيلة، فيبدأ بعضهم بالبيع وتتباطأ الأسعار ويسود التردّد، دون أن ينهار كلّ شيءٍ بعد.. وفيها يسود التردّد: بعض المشاركين يبيعون، وآخرون يشترون عند كلّ انخفاضٍ ظنًّا أنّه فرصة، والأسعار تتأرجح دون اتّجاهٍ واضح. وقد تطول هذه المرحلة أشهرًا، وقد تنتهي بتعافٍ هادئ إذا تراجعت الديون تدريجيًّا. لكنّ الخطر فيها أنّ النظام صار هشًّا، فأيّ حدثٍ يكشف هذه الهشاشة، كإفلاس شركةٍ معروفة أو انكشاف احتيالٍ كبير أو تعثّر مصرفٍ مهمّ، قد يكون الشرارة التي تحوّل الشكّ إلى ذعر. ويشرح درس مقياس الخوف كيف يرتفع التقلّب الضمنيّ حين يتصاعد القلق في الأسواق.
النفور: حين يتبدّل المزاج
يصف الكتاب اللحظة التي يتحوّل فيها مزاج السوق من التعلّق بالأصل إلى النفور منه. فالأصل نفسه الذي كان الجميع يريده بالأمس يصبح الجميع يريد التخلّص منه اليوم، والمقرضون الذين كانوا يقبلونه ضمانًا بسخاء يرفضونه أو يطلبون خصمًا كبيرًا عليه. وهذا التبدّل في المزاج لا يتناسب غالبًا مع تغيّر المعلومات: فقد يكون الخبر الذي أطلقه صغيرًا، لكنّ أثره كبير لأنّ النظام كان مهيّأً للانقلاب. ومثالٌ توضيحيّ من عندنا: سوقٌ عقاريّة كان الناس يتسابقون فيها على الشراء، فإذا أُعلن تعثّر مطوّرٍ كبير تحوّل السؤال فجأةً من «كم سيرتفع السعر؟» إلى «هل أستطيع البيع أصلًا؟». وقد صوّر دليل الرهان الكبير على الانهيار لحظة الانقلاب هذه في أزمة الرهن العقاريّ سنة 2008.
الاندفاع نحو السيولة
في ذروة الذعر يصبح هدف الجميع واحدًا: التحوّل إلى نقد. والمشكلة أنّ هذا مستحيلٌ للجميع في وقتٍ واحد، فالبيع الجماعيّ يخفض الأسعار، وانخفاض الأسعار يجبر المقترضين على مزيدٍ من البيع. وهنا تظهر ظاهرةٌ يركّز عليها الكتاب: أنّ الذعر يمتدّ إلى أصولٍ لم تكن جزءًا من الهوس. فمن يحتاج إلى السيولة يبيع ما يستطيع بيعه لا ما يريد بيعه، فإذا لم يجد مشترين للأصول المتعثّرة باع أصوله السليمة. وفي النظام المصرفيّ قد يأخذ هذا شكل التهافت على المصارفتدافع المودعين على سحب أموالهم من مصرفٍ في وقتٍ واحد خوفًا من تعثّره، وبما أنّ المصارف لا تحتفظ بكلّ الودائع نقدًا، فقد يؤدّي التدافع نفسه إلى تعثّر مصرفٍ كان سليمًا.، حين يسارع المودعون إلى سحب أموالهم خوفًا من أن يسبقهم غيرهم. وتجد تعريف المفهوم الأساسيّ في مسرد السيولة، ويشرح درس أين يذهب المال حين تحمرّ الأسواق وجهات الأموال في أوقات الهلع، كما يوضّح مسرد نداء الهامش إحدى آليّات البيع الاضطراريّ.
تتبّعنا في هذا الفصل الطريق من الشكّ إلى الذعر. في الفصل التالي نتوقّف عند ظاهرةٍ يراها الكتاب ملازمةً لأواخر الدورة: الاحتيال والخداع، ولماذا ينكشف معظمه بعد أن ينقلب الاتّجاه. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في فهم الأزمات الماليّة لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.