يستعير الكتاب هيكله التحليليّ من الاقتصاديّ الأمريكيّ هايمن مينسكي، الذي ظلّ لسنواتٍ طويلة صوتًا هامشيًّا في علم الاقتصاد، ثمّ عاد اسمه إلى الواجهة مع كلّ أزمةٍ كبرى. ولم يكن كيندلبرغر يرى في نموذج مينسكي نظريّةً مكتملة، بل إطارًا مفيدًا لترتيب الوقائع التاريخيّة وفهم تسلسلها. وفي هذا الفصل نرسم هذا الإطار كاملًا قبل أن نتوقّف عند كلّ مرحلةٍ في الفصول التالية.
الاستقرار الذي يولّد عدم الاستقرار
جوهر ما يُعرف بـ فرضيّة عدم الاستقرار الماليّفكرةٌ اقترحها الاقتصاديّ هايمن مينسكي ترى أنّ الاقتصادات الرأسماليّة تميل بطبيعتها إلى بناء الهشاشة الماليّة في فترات الازدهار، لأنّ الهدوء الطويل يشجّع على مزيدٍ من الاقتراض والمخاطرة حتّى يصبح النظام عرضةً للانهيار. فكرةٌ تبدو متناقضة: أنّ فترات الاستقرار الطويلة تزرع بذور الأزمة. فحين يمرّ الاقتصاد بسنواتٍ هادئة ينسى الناس المخاطر، ويتساهل المقرضون في شروطهم، ويزيد المقترضون من ديونهم ثقةً بأنّ الغد سيشبه الأمس. وهكذا يصبح النظام أكثر هشاشةً في اللحظة التي يبدو فيها أكثر أمانًا. وهذا ما يجعل الأزمة في نظر الكتاب نتاجًا داخليًّا لعمل النظام الماليّ نفسه، لا مجرّد صدمةٍ تأتي من خارجه.
المراحل الخمس باختصار
يمكن تلخيص النموذج في تسلسلٍ من خمس مراحل نصوغها بلغتنا. تبدأ القصّة بحدثٍ يغيّر الصورة، كاختراعٍ جديد أو تحوّلٍ في السياسة أو نهاية حرب، فتتبدّل توقّعات الربح في قطاعٍ أو أكثر. ثمّ يأتي الائتمان ليموّل هذه التوقّعات الجديدة، فيتوسّع الإقراض وتظهر أدواتٌ ماليّة تزيد القوّة الشرائيّة. ومع ارتفاع الأسعار تتحوّل الحماسة إلى نشوة، فيدخل جمهورٌ جديد لم يكن مهتمًّا من قبل، ويصبح الدافع هو الربح من ارتفاع السعر نفسه لا من العائد الذي يدرّه الأصل. ثمّ تأتي مرحلة الضيق، حين يبدأ بعض العارفين بالبيع وتتباطأ الأسعار ويتسلّل الشكّ. وأخيرًا قد يتحوّل الشكّ إلى نفورٍ وذعر، فيتسابق الجميع نحو الباب في وقتٍ واحد. ويقدّم درس دورة السوق صورةً مبسّطة لهذا التناوب، ويناقش دليل إتقان دورة السوق الدورات من زاوية المستثمر.
ما الذي يربط المراحل ببعضها؟
ليست هذه المراحل محطّاتٍ منفصلة، بل حلقاتٌ يغذّي بعضها بعضًا. فارتفاع الأسعار يرفع قيمة الضمانات، فيستطيع المقترضون اقتراض المزيد، فيشترون المزيد، فترتفع الأسعار أكثر. وحين ينعكس الاتّجاه تعمل الحلقة نفسها في الاتّجاه المعاكس: تنخفض الأسعار فتنخفض قيمة الضمانات، فيُطالَب المقترضون بالسداد أو بضماناتٍ إضافيّة، فيبيعون، فتنخفض الأسعار أكثر. ومثالٌ توضيحيّ من عندنا: مستثمرٌ اشترى أرضًا بقرضٍ مضمونٍ بالأرض نفسها، فإذا ارتفع سعرها استطاع أن يقترض بضمانها لشراء أرضٍ ثانية، وإذا انخفض سعرها وجد نفسه مضطرًّا إلى البيع في أسوأ توقيت. ويشرح درس الرافعة الماليّة كيف يضخّم الاقتراض هذه الحلقة في الاتّجاهين.
ويحرص الكتاب على تنبيهٍ مهمّ: ليست كلّ دورةٍ تصل إلى المرحلة الأخيرة. فكثيرٌ من موجات الحماسة تنتهي بتباطؤٍ هادئ دون ذعر، وبعضها يُطفأ بتدخّلٍ في الوقت المناسب، والنموذج لا يحدّد مدّة كلّ مرحلة ولا يخبرنا متى تنتقل السوق من واحدةٍ إلى أخرى. إنّه خريطةٌ لفهم التضاريس، لا جدولٌ زمنيّ للرحلة.
رسمنا في هذا الفصل الهيكل العامّ للنموذج. في الفصل التالي نتوقّف عند نقطة البداية: الصدمة التي تغيّر التوقّعات، وأشكالها المختلفة عبر التاريخ. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في فهم الأزمات الماليّة لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.