تشارلز كيندلبرغر اقتصاديٌّ أمريكيّ قضى جزءًا من حياته المهنيّة في العمل الحكوميّ، وأسهم في التخطيط لبرنامج إعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالميّة الثانية، ثمّ صار أستاذًا في معهد ماساتشوستس للتقنية، واشتهر بكتاباته في التاريخ الاقتصاديّ والعلاقات النقديّة الدوليّة. وحين نشر كتابه هذا سنة 1978 كان كثيرٌ من الاقتصاديّين يعدّون الأزمات الماليّة الكبرى شيئًا من الماضي، طواه وجود البنوك المركزيّة وقواعد التنظيم الحديثة. أمّا هو فرأى العكس: أنّ الأزمات نبتةٌ تعود في كلّ موسم، وأنّ من يتجاهل تاريخها يُفاجأ بها كلّ مرّة.
من القصّة إلى النمط
يختلف هذا الكتاب عن كتب تاريخ المضاربة التي تروي الوقائع واحدةً تلو الأخرى. فهو يستعمل التاريخ مادّةً للمقارنة: يضع أزماتٍ متباعدة جنبًا إلى جنب، من فقاعات القرن الثامن عشر في لندن وباريس، إلى أزمات البنوك في القرن التاسع عشر، إلى انهيار 1929، إلى أزمات الديون والعملات في العقود الأخيرة، ويسأل: ما الذي يتكرّر فيها رغم اختلاف الأدوات والأماكن؟ ومن هذا السؤال يستخرج نموذجًا عامًّا لما يمكن تسميته الأزمة الماليّةاضطرابٌ حادّ في النظام الماليّ تنهار فيه أسعار أصولٍ مهمّة أو تتعثّر فيه مؤسّساتٌ ماليّة على نطاقٍ واسع، فيتراجع الإقراض وتتسارع الحاجة إلى السيولة، وقد تمتدّ آثاره إلى الاقتصاد الحقيقيّ من إنتاجٍ وتوظيف.. وإن أردت الوقائع نفسها بتفصيلٍ قصصيّ فستجده في دليل فليأخذ الشيطانُ المتأخّرين، أمّا هنا فتركيزنا على الآليّة التي تجمع تلك القصص.
بين عقلانيّة الفرد وجنون الجماعة
من الأفكار التي يعود إليها الكتاب مرارًا أنّ الهوس لا يحتاج إلى أن يكون الناس حمقى. فقد يتصرّف كلّ مشاركٍ تصرّفًا يبدو معقولًا من موقعه: يرى جاره يربح فيشتري، أو يرى السعر يرتفع فيتوقّع استمراره، أو يعرف أنّ الأصل مبالغٌ في سعره لكنّه يظنّ أنّه سيبيع قبل غيره. غير أنّ اجتماع هذه القرارات يدفع الأسعار إلى مستوياتٍ لا يسندها أيّ أساس، فتصبح النتيجة الجماعيّة غير معقولة وإن كانت كلّ خطوةٍ فيها مفهومة. ويسمّي المناطقة هذا النوع من الخطأ مغالطة التركيب: أن نفترض أنّ ما يصحّ للجزء يصحّ للكلّ. ويشرح درس الانحيازات المعرفيّة في التداول بعض الآليّات النفسيّة التي تجعل هذه القرارات الفرديّة مغرية.
لماذا لا يكفي القول إنّ الأسواق كفؤة؟
يقف الكتاب موقفًا وسطًا بين رأيين متطرّفين. فهو لا يقول إنّ الأسواق مجنونةٌ دائمًا، ولا يقبل أنّها عقلانيّةٌ دائمًا تعكس الأسعار فيها كلّ المعلومات بدقّة. بل يرى أنّها تعمل جيّدًا في معظم الأوقات، لكنّها تمرّ أحيانًا بنوباتٍ تبتعد فيها الأسعار عن القيمة ابتعادًا كبيرًا ثمّ تعود بعنف. وهذه النوبات ليست عشوائيّة، بل تتبع تسلسلًا يمكن فهمه. ومثالٌ توضيحيّ من عندنا: الطقس في مدينةٍ ما معتدلٌ في معظم أيّام السنة، لكنّ العواصف تأتي في مواسم معروفة وبمقدّماتٍ يمكن رصدها، وإن كان أحدٌ لا يعرف يوم وصولها بدقّة. ويضيء درس دورة السوق هذا التناوب بين الهدوء والاضطراب.
وللكتاب نبرةٌ خاصّة تستحقّ الإشارة: فهو مكتوبٌ بروح المؤرّخ الذي يستمتع بالتفاصيل والمفارقات، لا بروح المهندس الذي يبحث عن معادلة. ولهذا يحذّر صراحةً من الثقة الزائدة بأيّ نموذجٍ صارم، ويعدّ التاريخ معلّمًا يقدّم أنماطًا لا قوانين. وهذه النبرة نفسها هي ما نحاول الحفاظ عليه في هذا الدليل: أن نفهم كيف تتكوّن الأزمات، لا أن نزعم أنّنا نعرف متى تقع.
عرضنا في هذا الفصل روح الكتاب ومنهجه. في الفصل التالي نرسم الهيكل الكامل للنموذج الذي يقترحه: المراحل التي تمرّ بها الأزمة من الصدمة الأولى إلى الذعر والانهيار. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في فهم الأزمات الماليّة لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.