رأينا في الفصل السابق أنّ السعر يساوي الأرباح مضروبةً في المضاعف. وفي هذا الفصل نتتبّع الجزء الأكثر تقلّبًا من المعادلة: المضاعف نفسه. فالكتاب يرى أنّ حركته عبر سنواتٍ طويلة هي التي ترسم الفرق بين مرحلةٍ يربح فيها الجميع تقريبًا، ومرحلةٍ لا يربح فيها إلّا من أحسن الاختيار والتوقيت.
حين يدفع السوق أكثر فأكثر
في بعض المراحل الطويلة يجتمع نموّ الأرباح مع ارتفاعٍ تدريجيّ في استعداد المستثمرين لدفع ثمنٍ أعلى مقابل كلّ وحدة ربح. ويُسمّى هذا تمدّد المضاعفارتفاع المضاعف الذي يدفعه السوق مقابل أرباح الشركات عبر فترةٍ ما، فيرتفع السعر بنسبةٍ تفوق نموّ الأرباح، ويحدث غالبًا مع تحسّن الثقة أو انخفاض الفائدة أو انتشار التفاؤل.. فإذا نمت الأرباح بنسبةٍ معتدلة وتمدّد المضاعف في الوقت نفسه، تراكم الأثران فارتفعت الأسعار بوتيرةٍ تبدو استثنائيّة. وهذه هي المراحل التي يتذكّرها الناس بوصفها العصر الذهبيّ للأسهم، وفيها يترسّخ الاعتقاد بأنّ الصعود هو الحالة الطبيعيّة الدائمة.
وحين يتراجع الاستعداد
والعكس يحدث أيضًا. فبعد مرحلةٍ من التفاؤل الطويل يكون المضاعف قد بلغ مستوًى مرتفعًا، فيصبح أيّ تراجعٍ في الثقة أو ارتفاعٍ في الفائدة أو خيبةٍ في التوقّعات سببًا لانخفاضه. ويُسمّى هذا انكماش المضاعفانخفاض المضاعف الذي يدفعه السوق مقابل الأرباح عبر فترةٍ ما، فيرتفع السعر بأقلّ من نموّ الأرباح أو ينخفض رغم نموّها، ويحدث غالبًا بعد مراحل التفاؤل الطويل أو مع ارتفاع الفائدة والتضخّم.. وإذا كان الانكماش تدريجيًّا وموازيًا تقريبًا لنموّ الأرباح، فالنتيجة هي السوق العرضيّة: شركاتٌ تربح أكثر كلّ عام، ومؤشّرٌ يراوح مكانه.
ما الذي يحرّك المضاعف؟
لا يوجد عاملٌ واحد، لكنّ الكتاب يشير إلى عناصر يعرفها القارئ من دروس أُسس. أوّلها مستوى أسعار الفائدة والتضخّم، فحين ترتفع العوائد على البدائل الآمنة يقلّ ما يقبل المستثمر دفعه مقابل أرباحٍ مستقبليّة غير مؤكّدة، كما يشرح درس أسعار الفائدة الحقيقيّة. وثانيها ما يطلبه المستثمرون من عائدٍ إضافيّ مقابل مخاطرة الأسهم، وهو موضوع درس علاوة مخاطر الأسهم. وثالثها المزاج الجماعيّ الذي يتأرجح بين النشوة والخوف.
الميل إلى العودة لا قانون التوقيت
يلاحظ الكتاب أنّ المضاعف على مستوى السوق لا يرتفع إلى ما لا نهاية ولا ينخفض إلى الصفر، بل يميل عبر فتراتٍ طويلة إلى التأرجح حول نطاقٍ ما. وهذه الفكرة قريبةٌ ممّا يعرضه درس العودة إلى المتوسّط مقابل الزخم. لكنّ الميل إلى العودة لا يحدّد متى ولا من أيّ مستوًى بالضبط، فقد يبقى المضاعف مرتفعًا سنواتٍ أطول بكثير ممّا يتوقّع الحذرون. ولهذا يقدّم الكتاب هذه الفكرة لفهم التوقّعات المعقولة لا لتوقيت الدخول والخروج.
عرفنا في هذا الفصل المحرّك الذي يصنع المراحل الطويلة. في الفصل التالي نرسم ملامح السوق العرضيّة من الداخل: كيف تبدو، وكيف يشعر بها المستثمر وهو يعيشها. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في التقييم ودورات الأسواق لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.