بعد أن فهمنا المحرّك، ننتقل إلى التجربة. فالسوق العرضيّة على الرسم البيانيّ الطويل قد تبدو بريئة، خطًّا متعرّجًا لا يذهب بعيدًا، لكنّها في الحياة اليوميّة للمستثمر سلسلةٌ من الآمال والخيبات المتعاقبة. ويحاول الكتاب أن يرسم هذه الملامح حتّى يعرفها القارئ حين يعيشها.
نطاقٌ واسع لا خطٌّ أفقيّ
أوّل ما ينبغي فهمه أنّ «عرضيّة» لا تعني «ساكنة». فداخل المرحلة الواحدة قد تتعاقب الموجات الدوريّةموجاتٌ صاعدة وهابطة تتعاقب داخل مرحلةٍ طويلة، تمتدّ كلّ منها أشهرًا أو سنوات، وقد تكون حادّة بما يكفي لتبدو بداية اتّجاهٍ جديد قبل أن تنعكس. بقوّة: صعودٌ يمتدّ سنتين يقنع الناس بأنّ الأيّام الجميلة عادت، ثمّ هبوطٌ يمحو معظمه، ثمّ صعودٌ آخر. ويعرض مسرد التقلّب هذه الظاهرة على المدى القصير، أمّا هنا فهي تتكرّر على مستوى السنوات. ولهذا قد تكون السوق العرضيّة أكثر تقلّبًا من سوقٍ صاعدة هادئة، وإن كانت محصّلتها أقلّ.
أرباحٌ تنمو والمؤشّر لا يتحرّك
السمة الثانية هي التباعد بين أداء الشركات وأداء أسهمها. فخلال المرحلة العرضيّة قد تتضاعف أرباح الشركات المدرجة في المؤشّر، وتتوسّع أعمالها، ويرتفع نصيب السهم من الأرباح عامًا بعد عام، بينما يبقى المؤشّر قريبًا من مستواه. وهذا ما يجعل المستثمر يشعر بأنّ شيئًا ما خاطئ، مع أنّ ما يحدث هو ببساطة انتقال التقييم من مستوًى مرتفع إلى مستوًى أكثر اعتدالًا. ففي نهاية المرحلة يصبح السوق أرخص بكثير ممّا كان في بدايتها رغم أنّ السعر لم يتغيّر كثيرًا.
الخسارة الصامتة
السمة الثالثة أقلّ ظهورًا. فحين يبقى السعر الاسميّ في مكانه سنواتٍ طويلة بينما يرتفع المستوى العامّ للأسعار في الاقتصاد، فإنّ ما يحصل عليه المستثمر فعلًا هو العائد الحقيقيّالعائد بعد خصم أثر التضخّم، ويقيس التغيّر الفعليّ في القوّة الشرائيّة للمال المستثمر لا في مقداره الاسميّ فقط.، وقد يكون سالبًا رغم أنّ الرقم على الشاشة لم يتراجع. ويشرح درس التضخّم والقوّة الشرائيّة كيف يتآكل المال بصمت. والتوزيعات تخفّف هذا الأثر، لكنّها قد لا تكفي لإلغائه في كلّ الأحوال.
مثالٌ توضيحيّ
لنفترض للتوضيح فقط أنّ مستثمرًا وضع مبلغًا في مؤشّرٍ عامّ في بداية مرحلةٍ عرضيّة، وأنّ المؤشّر بعد عشر سنوات عاد إلى مستواه نفسه تقريبًا، وأنّ التوزيعات أضافت نحو اثنين في المئة سنويًّا، وأنّ التضخّم كان في حدود ثلاثة في المئة. النتيجة التقريبيّة أنّ ثروته الاسميّة نمت قليلًا بفضل التوزيعات، بينما تراجعت قوّتها الشرائيّة. الأرقام من عندنا ولا تصف سوقًا بعينها، لكنّها تبيّن لماذا يصف الكتاب هذه المراحل بأنّها مُنهِكة لا مُدمِّرة.
تعرّفنا في هذا الفصل إلى ملامح السوق العرضيّة. في الفصل التالي نناقش لماذا قد تخيّب استراتيجيّة الشراء والاحتفاظ بالمؤشّر آمال أصحابها في هذه المراحل، ولماذا لا يعني ذلك أنّها خاطئة. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في التقييم ودورات الأسواق لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.