قد يظنّ القارئ أنّ نوبات القرنين السابع عشر والثامن عشر تنتمي إلى عصرٍ ساذج لم يعرف الأسواق المنظّمة ولا البيانات ولا الاقتصاد الحديث. لكنّ غالبريث، الذي كتب أحد أشهر الكتب عن انهيار 1929 قبل هذا الكتاب بعقود، يبيّن أنّ القرن العشرين لم يكن أقلّ عرضةً للنشوة. وفي هذا الفصل نمرّ على محطّتين قريبتين: انهيار 1929، ثمّ اضطرابات الثمانينيّات، ونعرضهما بوقائعهما العامّة المعروفة.
عشرينيّات الثقة المفرطة
عاشت الولايات المتّحدة في العشرينيّات ازدهارًا حقيقيًّا: صناعاتٌ جديدة، وانتشارٌ للسيّارات والكهرباء والراديو، وأرباحٌ متزايدة. لكنّ أسعار الأسهم انطلقت في أواخر العقد بسرعةٍ تجاوزت ذلك كلّه. وانتشر الشراء بالهامش بين فئاتٍ واسعة من الناس، وظهرت أداةٌ لاقت رواجًا كبيرًا: صناديق الاستثمار القابضةشركاتٌ انتشرت في العشرينيّات تجمع أموال المستثمرين لتشتري بها أسهم شركاتٍ أخرى، وكثيرٌ منها اقترض بكثافة واشترى أسهم صناديق مماثلة، فتكوّنت طبقاتٌ متراكبة من الرافعة تضاعف الربح في الصعود والخسارة في الهبوط.، التي بُني بعضها طبقةً فوق طبقة، يقترض كلٌّ منها ليشتري في الآخر. وفي أكتوبر 1929 بدأ الهبوط الكبير بأيّامٍ متتالية من البيع الكثيف، ثمّ واصلت السوق انحدارها حتّى فقد المؤشّر الصناعيّ الرئيس قرابة تسعين في المئة من قمّته بحلول 1932، وتزامن ذلك مع الكساد الكبير. ومن أراد أن يرى أجواء أسواق تلك الحقبة من الداخل يجد صورةً حيّة لها في دليلنا لكتاب ذكريات مضارب أسهم.
الانهيار والاقتصاد الحقيقيّ
لا يعني ذلك أنّ انهيار السوق وحده صنع الكساد؛ فالمؤرّخون يختلفون في وزن كلّ عامل، من السياسة النقديّة إلى انهيار المصارف إلى التجارة الدوليّة. لكنّ الانهيار كشف هشاشة نظامٍ ماليّ قام على الدَّين، وأسهم في موجةٍ من التعثّر وفقدان الثقة. وهو تذكيرٌ بأنّ الفقاعة حين تنفجر لا تبقى دائمًا داخل السوق، بل قد تمتدّ إلى الركود في الاقتصاد كلّه.
الثمانينيّات: أدواتٌ جديدة وجوهرٌ مألوف
بعد نصف قرنٍ تقريبًا، وهي مسافةٌ تكفي لنسيانٍ واسع، عرفت الأسواق في الثمانينيّات موجةً جديدة. انتشرت الاستحواذات المموّلة بالدَّين والسندات عالية العائد التي تحدّثنا عنها في الفصل الرابع، وتعثّر عددٌ كبير من مؤسّسات الادّخار والإقراض الأمريكيّة بعد سنواتٍ من الإقراض المتساهل. وفي 19 أكتوبر 1987 شهدت السوق الأمريكيّة ما صار يُعرف بـالإثنين الأسوديوم 19 أكتوبر 1987، الذي هبط فيه المؤشّر الصناعيّ الأمريكيّ الرئيس أكثر من عشرين في المئة في جلسةٍ واحدة، وهو أكبر هبوطٍ يوميّ بالنسبة المئويّة في تاريخه، وارتبط جزئيًّا باستراتيجيّات بيعٍ آليّة صُمّمت لحماية المحافظ.، حين هبط مؤشّرها الصناعيّ الرئيس أكثر من عشرين في المئة في يومٍ واحد. وفي الجهة الأخرى من العالم، بلغت فقاعة الأسهم والعقار في اليابان ذروتها في نهاية 1989، ثمّ بدأ هبوطٌ امتدّ سنواتٍ طويلة.
لماذا لم تحمِ الحداثة من التكرار؟
في كلّ محطّةٍ من هذه المحطّات كان المشاركون أكثر تعليمًا وأوفر بياناتٍ وأحدث أدواتٍ من أسلافهم. ومع ذلك تكرّرت القصّة. والسبب، كما يوحي الكتاب، أنّ التحديث يطال الأدوات لا الطبيعة البشريّة. بل إنّ بعض الأدوات الحديثة، كاستراتيجيّات الحماية الآليّة في 1987، صُمّمت لتقليل المخاطر فساهمت في تسريع الهبوط حين تصرّف الجميع بها في وقتٍ واحد. وفهم هذا التبادل بين السوق الصاعدة والسوق الهابطة جزءٌ أساسيّ من وعي المستثمر بأنّ الأسواق لا تسير في اتّجاهٍ واحد إلى الأبد.
رأينا في هذا الفصل أنّ القرن العشرين لم يكن أكثر مناعةً من القرون السابقة. في الفصل التالي نسأل سؤالًا أكثر إحراجًا: لماذا ينجرف المحترفون والمطّلعون والمؤسّسات الكبرى مع النشوة بدل أن يقاوموها، رغم أنّهم يُفترض أن يكونوا أوّل من يراها؟ وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في تاريخ الأسواق وسلوك الجماعة لا توصياتٍ استثماريّة ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.