من أكثر ما يدهش قارئ تاريخ الفقاعات أنّ المحترفين ليسوا دائمًا على الهامش يراقبون بحذر، بل كثيرًا ما يكونون في قلب الموجة: مصارف عريقة، وصناديق كبرى، ومديرون يحملون أرفع الشهادات. ويقدّم غالبريث تفسيرًا لا يعتمد على غباء هؤلاء، بل على البيئة التي يعملون فيها، والحوافز التي تجعل الانجراف مع النشوة خيارًا مفهومًا لهم حتّى حين يرون الخطر.
الخطأ مع الجميع أهون من الصواب وحدك
تخيّل مدير صندوقٍ يرى أنّ أسعار قطاعٍ ما مبالغٌ فيها، فيمتنع عن الشراء. إن هبط القطاع بعد شهر فسيبدو حكيمًا، لكن ماذا لو استمرّ في الصعود عامين؟ سيتأخّر أداء صندوقه عن منافسيه، ويسحب العملاء أموالهم، وقد يخسر وظيفته قبل أن يثبت صوابه. أمّا لو اشترى مع الجميع ثمّ جاء الانهيار، فسيكون واحدًا من كثيرين أخطؤوا، ويجد عذرًا جاهزًا. هذا ما يُسمّى مخاطر المسيرة المهنيّةالخطر الذي يواجهه المحترف على وظيفته وسمعته حين يخالف ما يفعله أقرانه ويتأخّر أداؤه عنهم، وهو خطرٌ يدفعه إلى تقليد الجماعة لأنّ الخطأ معها يُغتفر أكثر من الخطأ منفردًا، حتّى لو كانت المخالفة أسلم لأموال العملاء.، وهي من أقوى القوى التي تدفع المؤسّسات نحو القطيع.
حوافز لا تتطابق مع مصالح أصحاب المال
ويضاف إلى ذلك ما يعرفه الاقتصاديّون باسم مشكلة الوكالةتعارضٌ في المصالح يحدث حين يدير شخصٌ مالًا أو قرارًا نيابةً عن غيره، فتختلف حوافزه عن مصلحة صاحب المال، كأن يُكافأ المدير على الأرباح القصيرة دون أن يتحمّل الخسائر الكبيرة بالقدر نفسه.. فمن يدير أموال الآخرين قد يُكافأ على نتائج سنةٍ أو سنتين، دون أن يُسترجع منه شيء إن جاءت خسارةٌ كبيرة لاحقًا. لو حقّق مديرٌ عائدًا مرتفعًا ثلاث سنوات بفضل موجةٍ صاعدة، ثمّ خسر في السنة الرابعة نصف ما ربحه العملاء، فقد يبقى رصيده من المكافآت كما هو. في مثل هذه البيئة يصير ركوب الموجة سلوكًا عقلانيًّا للمدير، حتّى لو لم يكن كذلك لأصحاب المال.
المؤسّسة بوصفها جماعة
والمؤسّسة نفسها جماعةٌ صغيرة لها ديناميكيّات القطيع. حين تحقّق إدارةٌ ما أرباحًا كبيرة من نشاطٍ مضاربيّ، يصعب على من في الاجتماع أن يرفع صوته معترضًا، لأنّ الأرقام في صالح المتحمّسين. ويتحوّل الحذر إلى رأيٍ أقلّيّ يُنظر إليه كأنّه عائقٌ أمام النموّ. ومع الوقت تختار المؤسّسات من يشبهون ثقافتها، فيقلّ عدد الأصوات المخالفة بالضبط حين تكون الحاجة إليها أكبر. وهذا الضغط الجماعيّ قريبٌ ممّا يشعر به الأفراد ويُعرف بـالخوف من تفويت الفرصة، لكنّه هنا يلبس ثوب القرار المؤسّسيّ الرصين.
ماذا يعني ذلك للمستثمر الفرد؟
الدرس هنا ليس احتقار المحترفين، بل فهم حدود ما يمكن أن نستنتجه من سلوكهم. أن تشتري مؤسّسةٌ كبرى أصلًا ما لا يعني بالضرورة أنّه آمن؛ قد يعني فقط أنّها لا تستطيع تحمّل التخلّف عن منافسيها. والمفارقة أنّ الفرد يملك ميزةً لا يملكها المحترف: لا أحد سيطرده إن تأخّر أداؤه عامًا. ومن أراد التوسّع في فكرة التفكير المستقلّ عن الإجماع يجد كثيرًا منها في دليلنا لكتاب أهمّ شيء لهوارد ماركس، الذي يجعل الوعي بمزاج السوق وحوافز المشاركين جزءًا أساسيًّا من الحكمة الاستثماريّة.
فهمنا في هذا الفصل لماذا يشارك المحترفون في النشوة بدل أن يوقفوها. في الفصل التالي نصل إلى اللحظة التي تنتهي فيها النشوة: الانهيار، وما يليه من بحثٍ عن مذنبين، ولماذا لا تستطيع القوانين وحدها أن تمنع تكرار القصّة. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في تاريخ الأسواق وسلوك الجماعة لا توصياتٍ استثماريّة ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.