يعود غالبريث إلى التاريخ لا ليحكي حكاياتٍ طريفة، بل ليبيّن أنّ ما شرحناه في الفصول السابقة ليس نظريّة مجرّدة. وفي هذا الفصل نمرّ على ثلاث محطّاتٍ مبكّرة صارت من أشهر نوبات الهوس الماليّ في التاريخ، ونعرضها بوقائعها العامّة المعروفة، مع التركيز على ما تكشفه من آليّاتٍ ما زالت تعمل حتّى اليوم. ومن أراد التوسّع في هذه الحكايات يجد كثيرًا منها في دليلنا لكتاب الأوهام الشعبيّة الاستثنائيّة وجنون الحشود.
زهور التوليب في هولندا
في ثلاثينيّات القرن السابع عشر، كانت الجمهوريّة الهولنديّة من أغنى بقاع أوروبا، وكانت زهرة التوليب رمزًا للمكانة. بعض الأصناف النادرة ذات الألوان المتداخلة صارت مطلوبةً بشدّة، وارتفعت أسعار أبصالها ارتفاعًا كبيرًا في شتاء 1636 و1637. واللافت أنّ كثيرًا من التداول لم يكن على أبصالٍ حاضرة، بل على عقود التسليم الآجلاتّفاقٌ على بيع سلعةٍ في تاريخٍ لاحق بسعرٍ يُحدَّد اليوم، دون أن تنتقل السلعة فعلًا عند التعاقد، وقد استُخدم في تجارة أبصال التوليب لأنّ الأبصال تبقى في الأرض معظم السنة. على أبصالٍ ما زالت في الأرض، فصار الناس يتبادلون وعودًا بزهورٍ لم يرها أحد. ثمّ في فبراير 1637 توقّف المشترون فجأة، وهبطت الأسعار هبوطًا حادًّا. ويرى بعض المؤرّخين اليوم أنّ الروايات الشعبيّة بالغت في حجم الهوس وأثره، لكنّ النمط نفسه يبقى درسًا واضحًا.
جون لو والمسيسيبي في فرنسا
بعد نحو ثمانين عامًا، كانت فرنسا مثقلةً بالديون بعد حروبٍ طويلة. هنا ظهر الاسكتلنديّ جون لو بفكرةٍ بدت ثوريّة: مصرفٌ يصدر نقودًا ورقيّة بدل الاعتماد على المعادن وحدها، وشركةٌ تجاريّة تحتكر التجارة مع مستعمرات فرنسا في أمريكا الشماليّة، وعلى رأسها منطقة المسيسيبي. أسّس لو مصرفه سنة 1716، ثمّ صار مصرفًا ملكيًّا، وتوسّعت شركته حتّى تولّت جزءًا كبيرًا من دَين الدولة مقابل أسهمها. ومع وفرة الورق النقديّ ارتفعت الأسهم ارتفاعًا هائلًا في 1719، ثمّ انهارت في 1720 حين بدأ الناس يطلبون تحويل أوراقهم إلى معدنٍ لا يكفي للجميع. هنا يظهر بوضوح ما شرحناه عن التوسّع النقديّ المفرطتوسّعٌ سريع في كمّيّة النقود أو الائتمان المتاحة يتجاوز نموّ الإنتاج الحقيقيّ، فيبحث المال الفائض عن أصولٍ يشتريها، فترتفع أسعارها ارتفاعًا لا تبرّره قيمتها، وقد يكون ذلك وقودًا مباشرًا للفقاعات.: حين يتوفّر المال بسهولة، يجد طريقه إلى أصلٍ ما فيرفعه فوق قيمته.
شركة بحر الجنوب في بريطانيا
وفي العام نفسه تقريبًا، كانت بريطانيا تعيش نوبةً مشابهة. فشركة بحر الجنوب، التي أُسّست سنة 1711 بامتيازٍ للتجارة مع أمريكا الجنوبيّة، عرضت في 1720 أن تتولّى جزءًا كبيرًا من دَين الحكومة مقابل إصدار أسهمٍ جديدة. ارتفع سهمها في أشهرٍ قليلة إلى أضعاف سعره، وانجرف معه سيلٌ من الشركات الجديدة، بعضها بمشاريع غامضة. وحاول البرلمان الحدّ من هذه الشركات بقانونٍ صدر في السنة نفسها، لكنّ الأسهم ما لبثت أن انهارت في الخريف، وخسر كثيرون من مختلف الطبقات مدّخراتهم.
ما الذي يتكرّر؟
ثلاث نوبات في بلدانٍ مختلفة، وأدواتٍ مختلفة: زهرة، ونقود ورقيّة، وأسهم شركةٍ تجاريّة. ومع ذلك تتكرّر العناصر نفسها: قصّةٌ واعدة عن ثروةٍ جديدة، ومالٌ وائتمانٌ متوفّران بسهولة، وارتفاعٌ يغذّي نفسه، وجمهورٌ يتّسع من النخبة إلى عامّة الناس، ثمّ انهيارٌ مفاجئ. وهذه هي المراحل التي يشرحها درس دورة السوق في أكاديميّة أُسس، والتي يمكن أن يتعلّم القارئ التعرّف عليها دون أن يحاول التنبّؤ بموعد نهايتها.
مررنا في هذا الفصل على ثلاث محطّاتٍ مبكّرة من تاريخ الهوس الماليّ. في الفصل التالي نقترب من عصرنا، فنتأمّل انهيار 1929 واضطرابات الثمانينيّات، ونرى كيف عادت الآليّات نفسها بأدواتٍ أحدث. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في تاريخ الأسواق وسلوك الجماعة لا توصياتٍ استثماريّة ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.