انتهينا في الفصل الأوّل إلى ملاحظةٍ معلّقة: مخاطرة المحفظة ليست مجرّد متوسّطٍ لمخاطر مكوّناتها. وهذا الفصل يشرح السبب، وهو مفهومٌ يعدّه بيرنستين قلب توزيع الأصول كلّه، وقد بناه على ما قدّمته نظريّة المحفظة الحديثة منذ منتصف القرن العشرين.
ما الارتباط؟
معامل الارتباطمقياسٌ يتراوح بين سالب واحد وموجب واحد، يبيّن مدى تزامن حركة أصلين: قربه من الموجب واحد يعني أنّهما يتحرّكان معًا غالبًا، وقربه من الصفر يعني أنّ حركتيهما مستقلّتان تقريبًا، وقربه من السالب واحد يعني أنّهما يتحرّكان في اتّجاهين متعاكسين. هو الأداة التي تقيس هل يصعد أصلان ويهبطان معًا أم لا. فأسهم شركتين في القطاع نفسه وفي البلد نفسه ترتبط عادةً ارتباطًا مرتفعًا، لأنّ العوامل نفسها تحرّكهما. أمّا أسهم شركةٍ وسنداتٌ حكوميّة عالية الجودة، أو أسهم سوقين في منطقتين مختلفتين، فقد يكون الارتباط بينهما أقلّ. ويشرح درس الارتباط بين الأصول في أكاديميّة أُسس هذا المفهوم بالرسوم والأمثلة.
مثالٌ توضيحيّ بأصلين
تخيّل، للتوضيح فقط، أصلين متشابهين في متوسّط العائد وفي شدّة التذبذب، لكنّ أحدهما يزدهر في السنوات التي يتعثّر فيها الآخر. لو وضعت مالك كلّه في الأوّل لعشت سنواتٍ رائعة وأخرى مؤلمة، وكذلك لو وضعته في الثاني. أمّا لو قسمته بينهما بالتساوي، فإنّ مكاسب أحدهما ستعوّض جزءًا من خسائر الآخر في كلّ سنة، فيصبح مسار المحفظة أنعم بكثير من مسار أيٍّ منهما، مع أنّ متوسّط العائد لم يتغيّر. وفي الواقع نادرًا ما نجد أصلين بهذا التعاكس التامّ، لكنّ الأثر يظهر بدرجاتٍ أخفّ كلّما كان الارتباط أقلّ من التامّ.
المكافأة الخفيّة: عائدٌ مركّب أفضل
يلفت الكتاب إلى أثرٍ يغفل عنه كثيرون: أنّ تقليل التذبذب لا يريح الأعصاب فقط، بل يحسّن النموّ المركّب أيضًا. فلو خسرت محفظةٌ خمسين في المئة فإنّها تحتاج إلى ربحٍ بمئةٍ في المئة لتعود إلى نقطة البداية، أمّا لو خسرت عشرين في المئة فيكفيها ربحٌ بخمسةٍ وعشرين في المئة. ولذلك فإنّ محفظتين لهما المتوسّط الحسابيّ نفسه للعوائد السنويّة قد تنتهيان إلى ثروتين مختلفتين، والأقلّ تذبذبًا منهما تتفوّق في الغالب. ويعرض درس قوّة الفائدة المركّبة كيف يعمل التراكم عبر الزمن.
التنويع الحقيقيّ والتنويع الشكليّ
من هنا يتّضح الفرق بين محفظةٍ تضمّ عشرين ورقةً ماليّة متشابهة ترتفع وتهبط معًا، ومحفظةٍ تضمّ عددًا أقلّ من الفئات المختلفة حقًّا في سلوكها. فالأولى تبدو متنوّعة على الورق لكنّها تحمل في الحقيقة رهانًا واحدًا، والثانية هي ما يقصده الكتاب بـالتنويع الفعّالتوزيع المال على أصولٍ لا تتحرّك معًا تمامًا، بحيث يخفّف ضعف أحدها من أثر ضعف غيره، فيقلّ تذبذب المحفظة دون أن يتراجع عائدها المتوقّع بالقدر نفسه.. فالمعيار ليس عدد المكوّنات بل اختلاف سلوكها. وتجد تعريفًا مختصرًا في مسرد التنويع.
رأينا في هذا الفصل لماذا يصنع المزج قيمةً لا يصنعها أيّ أصلٍ وحده. في الفصل التالي نوسّع الفكرة لنرى المجموعة الكاملة من المحافظ الممكنة، وما المقصود بالمحافظ «الكفؤة» بلغةٍ بسيطة بعيدة عن المعادلات. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في توزيع الأصول وإدارة المخاطر لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.