تحدّثنا في الفصل السابق عن حجم الرهان بوصفه وسيلةً لتحقيق النموّ. وفي هذا الفصل ننظر إلى الوجه الآخر من المسألة، وهو في رأينا الأهمّ: كيف تتجنّب الخروج من اللعبة. فالكتاب، في كلّ ما يرويه، يعامل البقاء شرطًا مسبقًا لأيّ نجاح، لأنّ الحافة لا قيمة لها عند من لم يعد يملك ما يراهن به.
ما خطر الإفلاس؟
خطر الإفلاساحتمال أن تستنفد سلسلةٌ من الخسائر رأسَ المال أو تخفّضه إلى مستوى لا يمكن معه الاستمرار، ويتوقّف على حجم الحافة وحجم المخاطرة في كلّ قرار وعدد القرارات، وقد يكون كبيرًا حتّى لمن يملك حافةً موجبة. هو احتمال أن تمرّ بسلسلةٍ من الخسائر تكفي لإنهاء قدرتك على الاستمرار. والمفارقة التي يكشفها هذا المفهوم أنّ صاحب الحافة الموجبة ليس محصّنًا. فالحافة تعمل في المتوسّط عبر عددٍ كبير من المحاولات، أمّا الإفلاس فيحدث في مسارٍ واحد، هو المسار الذي تعيشه أنت فعلًا. ولو تخيّلنا آلاف النسخ منك تمارس النشاط نفسه، فقد يكون متوسّطها جيّدًا، لكنّ بعضها سيُفلس، ولا تعرف مسبقًا أيّها أنت.
حسابٌ غير متماثل
ما يجعل الإفلاس مخيفًا هو أنّ الخسارة والربح لا يتعادلان بالنسب نفسها. فإن خسرت نصف رأس مالك، احتجت إلى مضاعفة ما تبقّى لكي تعود إلى حيث بدأت. وكلّما تعمّقت الخسارة صار الطريق إلى التعافي أطول وأصعب. ولهذا يرى الكتاب أنّ تجنّب الخسائر الكبيرة أهمّ من مطاردة الأرباح الكبيرة، وأنّ الحجم المعتدل الذي تحدّثنا عنه في الفصل السابق ليس جبنًا بل حسابٌ دقيق لهذا اللاتماثل. ويعرض درس التعافي من التراجع هذه العلاقة بالتفصيل.
الرافعة والأحداث النادرة
يتضاعف خطر الإفلاس مع الرافعة الماليّة، لأنّ الاقتراض يجعل حركةً صغيرة نسبيًّا في السعر كافيةً لإحداث خسارةٍ كبيرة في رأس المال. ويضيف خطرًا خاصًّا هو طلب تغطية الهامش، الذي قد يجبر صاحبه على البيع في أسوأ لحظة، حين تكون الأسعار في أدنى مستوياتها ولا يملك وقتًا لانتظار تعافيها. ثمّ تأتي الأحداث النادرة التي تتجاوز ما تتوقّعه النماذج، فتجتمع مع الرافعة لتصنع خسائر لم يكن أحدٌ يظنّها ممكنة. ويروي دليل عندما فشلت العبقريّة كيف يمكن لنماذج متقنة ورافعةٍ كبيرة أن تنتهي إلى انهيار.
مثالٌ توضيحيّ من عندنا
تخيّل مستثمرين يحملان المحفظة الافتراضيّة نفسها. الأوّل يستعمل ماله الخاصّ فقط، والثاني يقترض ليضاعف حجم مراكزه. يأتي هبوطٌ حادّ مفاجئ في السوق. يتراجع حساب الأوّل تراجعًا مؤلمًا، لكنّه يستطيع الانتظار حتّى تتعافى الأسعار، طالما لم يحتج إلى المال. أمّا الثاني فيتلقّى طلبًا بتغطية الهامش، فيُجبر على البيع عند القاع، ويفقد معظم رأس ماله، فلا يستفيد من أيّ تعافٍ لاحق. المحفظة واحدة والنتيجة مختلفة تمامًا، والفرق كلّه في البقاء. والمثال افتراضيّ، لكنّه يتكرّر في تاريخ الأسواق بأشكالٍ كثيرة. ويشرح مقال الرافعة الماليّة هذه الآليّة.
لماذا تهمّ هذه الفكرة متعلّم الأسواق؟
السؤال الأوّل الذي يجب أن يطرحه المتعلّم قبل أيّ قرار ليس «كم يمكن أن أربح؟» بل «ما أسوأ ما يمكن أن يحدث، وهل أستطيع تحمّله؟». ومن هذا السؤال تتفرّع قواعد عمليّة بسيطة: ألّا يعرّض رأس ماله كلّه لفكرةٍ واحدة، وأن يتجنّب الرافعة التي لا يفهمها، وأن يحتفظ بمالٍ لا يحتاج إلى بيعه في الأزمات، وأن يفترض أنّ ما يبدو مستحيلًا قد يحدث. ويعرض دليل البجعة السوداء كيف تفاجئنا الأحداث النادرة، كما يشرح درس إدارة المخاطر أسس حماية رأس المال.
رأينا في هذا الفصل أنّ البقاء شرطٌ مسبق لأيّ نجاح. في الفصل التالي ننتقل من الألعاب إلى الأسواق، ونتعرّف إلى طريقة تفكيرٍ تحاول تقليل الاعتماد على اتّجاه السوق: التحوّط والتفكير المحايد للسوق. وتذكّر أنّ ما نقدّمه دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في إدارة المخاطر لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.