إدوارد ثورب أستاذٌ في الرياضيّات، اشتهر بأنّه نقل أدوات الاحتمالات من قاعة الدرس إلى ميادين يظنّ الناس أنّها لا تخضع إلّا للحظّ، ثمّ نقلها بعد ذلك إلى الأسواق الماليّة. وكتابه هذا، الصادر سنة 2017، يُقرأ عادةً على أنّه سيرةٌ ذاتيّة، لكنّنا في هذا الدليل لن نروي حياته، بل سنستخرج طريقة التفكير التي تربط فصولها: كيف تنظر إلى أيّ قرارٍ ماليّ نظرة الباحث الذي يختبر فرضيّة، لا نظرة المقامر الذي ينتظر ضربة حظّ.
من «أشعر أنّ» إلى «لنختبر»
يبدأ معظم الناس قراراتهم الماليّة بإحساس: هذا السهم يبدو واعدًا، وهذه الطريقة نجحت مع صديقي، وهذا الأسبوع يبدو مناسبًا. أمّا عقليّة العالِم فتبدأ من مكانٍ آخر: ما الفرضيّة بالضبط؟ وما الذي يجب أن أراه لو كانت صحيحة؟ وما الذي سيثبت أنّها خاطئة؟ هذا التحويل البسيط من الشعور إلى السؤال القابل للاختبار هو أوّل ما يعلّمه الكتاب. فالفكرة التي لا يمكن أن تفشل في أيّ اختبار ليست فكرةً قويّة، بل فكرةٌ غامضة لا تقول شيئًا. ويتّصل هذا بما يشرحه دليل التنبّؤ الفائق عن ضرورة صياغة التوقّع صياغةً تجعله قابلًا للمحاسبة.
الألعاب مختبرٌ لا مصدرُ رزق
لماذا يبدأ الكتاب من ألعاب الورق والعجلة؟ لأنّها مختبرٌ مثاليّ لفهم الاحتمالات: قواعدها معروفة، ونتائجها قابلة للعدّ، وكلّ جولةٍ فيها تجربةٌ مستقلّة يمكن تسجيلها. لكنّ هذا الدليل يقف هنا وقفةً واضحة: ألعاب الكازينو مصمَّمة بحيث تكون التوقّعات الرياضيّةمتوسّط ما يُنتظر أن يربحه المرء أو يخسره في كلّ محاولة إذا كُرّرت المحاولة عددًا كبيرًا جدًّا من المرّات، ويُحسب بضرب كلّ نتيجةٍ ممكنة في احتمالها ثمّ جمع الحاصل. فيها سالبةً للاعبين عمومًا، وما يكسبه بعضهم أحيانًا لا يغيّر أنّ مجموعهم يخسر على المدى الطويل. ونحن نستعمل هذه الألعاب أداةً لتعليم المفاهيم فحسب، ولا ندعو إليها بأيّ حال. ويشرح مقال الاستثمار والمضاربة والمقامرة الفروق بين هذه الأنشطة الثلاثة.
الشكّ في المسلّمات
السمة الثانية في عقليّة العالِم أنّها لا تقبل القول الشائع لمجرّد شيوعه. فإذا قيل إنّ هذه اللعبة لا يمكن التفوّق عليها، أو إنّ هذه السوق لا تحتوي على أيّ فرصة، سأل العالِم: هل حسب أحدٌ ذلك فعلًا؟ وما الافتراضات التي بُني عليها هذا الحكم؟ ولا يعني هذا أنّ كلّ مسلّمةٍ خاطئة، فكثيرًا ما يتبيّن بعد الحساب أنّ القول الشائع صحيح، وأنّ الدار تربح فعلًا. لكنّ الفرق أنّ العالِم يصل إلى الحكم بالحساب لا بالتقليد، فيعرف متى تكون القاعدة صلبة ومتى تكون لها استثناءاتٌ محدودة تستحقّ الدراسة. ويحذّر درس التحيّزات المعرفيّة في التداول من ميلنا إلى تصديق ما يوافق قناعاتنا دون اختبار.
مثالٌ توضيحيّ من عندنا
تخيّل متعلّمًا سمع أنّ نمطًا معيّنًا على الرسم البيانيّ يسبق الارتفاع غالبًا. صاحب العقليّة الحدسيّة يتذكّر مرّتين رأى فيهما النمط ثمّ ارتفع السعر، فيقتنع. أمّا صاحب العقليّة العلميّة فيكتب الفرضيّة بدقّة: ما تعريف النمط؟ وما المقصود بالارتفاع وفي أيّ مدّة؟ ثمّ يجمع كلّ الحالات التي ظهر فيها النمط، لا الحالات اللافتة وحدها، ويقارن النتيجة بما يحدث في الأيّام العاديّة. وقد يكتشف أنّ النمط لا يضيف شيئًا يُذكر، وأنّ ذاكرته اختارت الأمثلة التي تؤيّد القصّة. والمثال افتراضيّ لا يتحدّث عن نمطٍ بعينه، لكنّه يوضّح أنّ السؤال المنهجيّ يحمي صاحبه من خداع الذاكرة. ويشرح درس تحيّز البقاء كيف نخطئ حين ننظر إلى الناجين وحدهم.
لماذا تهمّ هذه الفكرة متعلّم الأسواق؟
الأسواق مليئةٌ بالقصص والادّعاءات: طريقةٌ تحقّق كذا، ومؤشّرٌ لا يخطئ، وخبيرٌ يعرف الاتّجاه القادم. والدرس الأوّل من هذا الكتاب أن تستقبل كلّ ذلك بسؤال الباحث: ما الدليل؟ وكيف يمكن اختباره؟ وما الذي يثبت أنّه خطأ؟ ولا تعني عقليّة العالِم أنّك ستجد حافةً في السوق، فأغلب من يبحث لا يجدها، بل تعني أنّك ستعرف متى لا تملك حافة، وهذه معرفةٌ ثمينة تحميك من خسائر كثيرة. ويعرض دليل ضدّ الآلهة تاريخ تحوّل البشر من الإيمان بالقدر إلى قياس المخاطر.
عرضنا في هذا الفصل المنهج الذي ينطلق منه الكتاب: الفرضيّة والتجربة والقياس. في الفصل التالي نعرّف المفهوم الذي يدور حوله كلّ شيء: الحافة، أي أن تكون التوقّعات الرياضيّة في صالحك. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في التفكير الكمّيّ لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.