نختم هذا الدليل بالجانب الذي جعل أفكار ثالر تخرج من قاعات الجامعات إلى الحكومات والشركات: فكرة أنّ فهم طبيعة البشر يمكن أن يُستعمل لمساعدتهم. وهي الفكرة التي طوّرها بالتفصيل في كتابٍ سابق شارك في تأليفه، ويعود إليها في هذا الكتاب بوصفها ثمرةً عمليّة للاقتصاد السلوكيّ. وفي هذا الفصل نعرضها بلغتنا، مع ما تثيره من أسئلةٍ أخلاقيّة، ثمّ نجمع خيوط الدليل كلّه.
لا يوجد عرضٌ محايد
إذا كانت العوامل التي «يُفترض ألّا تهمّ» تؤثّر في قراراتنا، كما رأينا في الفصل الأوّل، فإنّ كلّ من يصمّم استمارةً أو قائمةً أو موقعًا إلكترونيًّا يؤثّر في قرارات الناس سواءٌ أراد أم لم يرد. ترتيب الخيارات، والخيار المحدّد مسبقًا، وعدد الخطوات المطلوبة، كلّها تصنع فرقًا. ومن هنا جاء مفهوم هندسة الاختيارتصميم البيئة التي تُعرض فيها الخيارات على الناس، كترتيب البدائل وتحديد الخيار الافتراضيّ وتبسيط الخطوات وطريقة عرض المعلومات، مع إدراك أنّه لا يوجد عرضٌ محايد تمامًا، فكلّ تصميمٍ يؤثّر في القرار بدرجةٍ ما.: فما دام التأثير لا مفرّ منه، فالأولى أن يُصمَّم بوعيٍ لخدمة من يختار. ويرتبط به مفهوم الدفعة اللطيفةتغييرٌ في طريقة عرض الخيارات يوجّه الناس نحو قرارٍ يرونه هم أنفسهم في مصلحتهم، دون أن يمنع أيّ خيارٍ آخر أو يغيّر حوافزه الماليّة تغييرًا كبيرًا، مع بقاء الخروج منه سهلًا.، أي توجيهٌ خفيف يحفظ حرّيّة الاختيار.
قوّة الخيار الافتراضيّ
أقوى أدوات هندسة الاختيار وأشهرها الخيار الافتراضيّ، أي ما يحدث إن لم يفعل الشخص شيئًا. فكثيرٌ من الناس لا يغيّرون ما وُضع لهم مسبقًا، بسبب ما رأيناه في الدليل: الانحياز للحاضر الذي يؤجّل القرار، والتمسّك بالوضع القائم، وصعوبة المقارنة بين البدائل، وأحيانًا الإحساس بأنّ الخيار الافتراضيّ توصيةٌ ضمنيّة. وأوضح تطبيقٍ لهذا في المال برامج ادّخار التقاعد في بيئات العمل: فحين يكون الانضمام اختياريًّا يحتاج إلى طلب، يتأخّر كثيرون أو لا ينضمّون أبدًا، وحين يكون التسجيل تلقائيًّاترتيبٌ يُضمّ فيه الموظّف تلقائيًّا إلى برنامج ادّخارٍ أو تقاعد بنسبة مساهمةٍ محدّدة، مع حقّه الكامل في تغيير النسبة أو الانسحاب متى شاء، بدل أن يُطلب منه التسجيل بنفسه. مع حرّيّة الانسحاب، ترتفع نسبة المشاركين عادةً ارتفاعًا كبيرًا، مع أنّ الخيارات المتاحة لم تتغيّر.
مثالٌ توضيحيّ من عندنا
تخيّل شركتين افتراضيّتين تقدّمان لموظّفيهما برنامج ادّخارٍ بالشروط نفسها. الأولى تضع في دليل الموظّف الجديد فقرةً تقول إنّ من يرغب في الانضمام عليه أن يملأ استمارةً ويسلّمها لقسم الموارد البشريّة. والثانية تضمّ كلّ موظّفٍ جديد إلى البرنامج بنسبة مساهمةٍ صغيرة، وتشرح له بوضوحٍ كيف يغيّرها أو ينسحب بضغطة زرّ. بعد سنوات قد يختلف عدد المدّخرين في الشركتين اختلافًا كبيرًا، مع أنّ الحرّيّة متاحةٌ للجميع. والمثال افتراضيّ، وغرضه بيان أثر التصميم لا اقتراح نسبة ادّخارٍ بعينها. ويتّصل بهذا ما رأيناه في الفصل الخامس عن أدوات الالتزام، وما يشرحه درس الاستثمار الدوريّ بمبلغٍ ثابت.
الحدود الأخلاقيّة: متى تصبح الدفعة تلاعبًا؟
الأدوات نفسها التي تساعد الناس على الادّخار يمكن أن تُستعمل لدفعهم إلى اشتراكاتٍ لا يحتاجونها، أو منتجاتٍ مكلفة، أو قراراتٍ تخدم مصمّمها على حسابهم. ولهذا يضع الكتاب، ومعه أدبيّات هذا الحقل، شروطًا للدفعة المقبولة: أن تكون شفّافةً يمكن الدفاع عنها علنًا، وأن يبقى الخروج منها سهلًا قليل الكلفة، وأن تهدف إلى ما يراه الناس أنفسهم في مصلحتهم. ويبقى نقدٌ مشروع: من يحدّد «مصلحة» الناس؟ وماذا لو اختار المصمّم خيارًا افتراضيًّا لا يناسب الجميع، كنسبة ادّخارٍ منخفضة جدًّا أو استثمارٍ لا يلائم ظروف بعضهم؟ هذه الأسئلة لا تلغي الفكرة، لكنّها تذكّر بأنّ قوّتها تستلزم مسؤوليّةً مماثلة. ويحذّر مقال كيف تكتشف الاحتيال الاستثماريّ من الوجه المظلم للتأثير في القرار.
خلاصة الدليل في سطور
إذا جمعنا أفكار الكتاب، ظهرت صورةٌ متماسكة: البشر ليسوا كائناتٍ اقتصاديّة متخيَّلة، بل يتأثّرون بعوامل يُفترض ألّا تهمّ، ويقدّرون ما يملكون أكثر ممّا كانوا سيدفعون فيه، ويقسّمون المال إلى جيوبٍ لا تتبادل، ويخاطرون بالربح السهل، ويتمسّكون بالتكاليف الغارقة، ويصارعون أنفسهم بين المخطِّط والمنفِّذ، ويحملون إلى السوق إحساسًا بالعدالة. وفي الأسواق قد يبالغ المستثمرون في ردّ فعلهم، ويرون الأسهم أخطر ممّا هي حين يراقبونها أكثر من اللازم، وقد تبقى الأخطاء السعريّة لأنّ تصحيحها مكلفٌ ومحفوف بالمخاطر. وأخيرًا، يمكن لفهم هذه الطبيعة أن يُستعمل لمساعدة الناس بتصميم خياراتٍ أفضل، بشرط الشفافيّة وحرّيّة الخروج. ولمن أراد التوسّع، يعمّق دليل التفكير السريع والبطيء الأساس النفسيّ، ويطبّق دليل الكتاب الصغير للاستثمار السلوكيّ هذه الأفكار على قرارات المستثمر، ويعرض دليل سيكولوجية المال زاويةً قريبة من حياتنا اليوميّة.
بهذا نختم دليلنا التعليميّ لأفكار كتاب «سوء التصرّف». وقد يكون أنفع ما يخرج به القارئ ليس قائمةً بالانحيازات، بل عادةُ سؤالٍ بسيط قبل كلّ قرارٍ ماليّ: هل أقرّر بناءً على جوهر الخيار، أم على طريقة عرضه، أم على ماضٍ لا يتغيّر؟ ويعرض درس علم نفس التداول خطواتٍ عمليّة لتدريب هذه العادة. وتذكّر أنّ ما قدّمناه دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في الاقتصاد السلوكيّ لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.