في الفصل السابق رأينا كيف نقسّم المال إلى جيوب. وفي هذا الفصل نتناول ثلاث صورٍ من الحسابات الذهنيّة تظهر بوضوحٍ في الأسواق: معاملة الأرباح الحديثة كأنّها مالٌ «ليس لنا» فنخاطر به بسهولة، والتمسّك بقراراتٍ بسبب ما دفعناه فيها، والرغبة الملحّة في العودة إلى نقطة التعادل. والقاسم المشترك بينها أنّ الماضي يتسلّل إلى قرارٍ ينبغي أن يُبنى على المستقبل.
مال الربح السهل
يلاحظ الكتاب أنّ الناس بعد ربحٍ حديث يميلون إلى المخاطرة بالأرباح أكثر ممّا يخاطرون برأس مالهم الأصليّ، كأنّ الربح الجديد مال ربحٍ سهلميلٌ نفسيّ إلى معاملة الأرباح الحديثة كأنّها مالٌ «غير حقيقيّ» أو «ليس لنا بالكامل»، فنخاطر بها بسهولةٍ أكبر من رأس المال الأصليّ، مع أنّها في الحساب مالٌ مثل أيّ مالٍ آخر. لا يؤلم فقدانه كما يؤلم فقدان المال «الأصليّ». ومن منظور الإنسان الاقتصاديّ لا معنى لهذا التمييز، فالثروة ثروة بصرف النظر عن طريق تكوّنها. لكنّه يفسّر لماذا يتحمّس بعض المستثمرين بعد موجة صعودٍ فيرفعون حجم مراكزهم أو يستعملون الرافعة، معتبرين أنّهم «يلعبون بأرباح السوق». ويشرح درس الرافعة الماليّة لماذا يتضاعف أثر هذا الحماس حين يقترن بالاقتراض.
التكاليف الغارقة
التكاليف الغارقةتكلفةٌ أُنفقت في الماضي ولا يمكن استردادها مهما كان القرار القادم. والمغالطة أن نسمح لها بتوجيه قرارنا، فنستمرّ في مشروعٍ أو مركزٍ لأنّنا «دفعنا فيه كثيرًا» بدل الحكم عليه بما يُتوقّع منه من الآن. هي ما أنفقناه ولا سبيل إلى استرداده. والقاعدة الاقتصاديّة واضحة: ما دامت لا تتغيّر مهما قرّرنا، فلا ينبغي أن تحسم القرار. لكنّ البشر يجدون صعوبةً في التخلّي عن شيءٍ دفعوا فيه ثمنًا، فيكملون مشروعًا متعثّرًا لأنّهم استثمروا فيه سنوات، أو يحتفظون بمركزٍ لا يقتنعون به لأنّهم «دفعوا فيه كثيرًا». والدافع نفسيّ مفهوم: التخلّي يعني الاعتراف بأنّ المال الذي أُنفق قد ضاع، والاستمرار يؤجّل هذا الاعتراف.
أثر التعادل وسعر الشراء بوصفه مرجعًا
يرتبط بالفكرتين السابقتين ميلٌ ثالث: أن يتحوّل سعر الشراء إلى نقطة مرجعٍ نفسيّة، فيصبح كلّ ما دونها «خسارةً لم تُغلق بعد». ومن هنا ينشأ ما يُعرف في الماليّة السلوكيّة بتأثير التصرّف، أي الميل إلى بيع الرابح مبكّرًا لتثبيت الشعور بالنجاح، والاحتفاظ بالخاسر طويلًا على أمل العودة إلى التعادل. بل قد يدفع هذا الأمل بعضهم إلى مخاطرةٍ أكبر لاسترداد الخسارة سريعًا. لكنّ السوق لا تعرف بكم اشتريت ولا تكترث، والسؤال المفيد ليس «متى أعود إلى سعري؟» بل «ما الذي أتوقّعه من هذا الأصل من الآن، مقارنةً ببدائلي؟». ويعرض درس التعافي من التراجعات لماذا تتطلّب الخسارة الكبيرة نسبةً أكبر من الصعود لتعويضها.
مثالٌ توضيحيّ من عندنا
تخيّل متداولًا افتراضيًّا بدأ الشهر بعشرة آلاف، وربح في أسبوعين ألفين. يقول لنفسه: «الألفان ليسا من مالي، فلا بأس أن أجرّب بهما مراكز أكبر»، فيخسرهما ثمّ يخسر فوقهما ألفًا آخر. الآن صار رأس ماله تسعة آلاف، فيشعر بضرورة العودة إلى العشرة «على الأقلّ»، فيرفع المخاطرة من جديد. لاحظ أنّ قراراته في كلّ مرحلة لم تُبنَ على تقييمٍ هادئ للفرص، بل على أرقامٍ مرجعيّة من الماضي: رأس المال الأوّل، ثمّ الذروة، ثمّ نقطة التعادل. والمثال افتراضيّ تمامًا، والأرقام فيه للتوضيح فقط، وغرضه أن يُظهر كيف تتسلسل هذه الأخطاء، لا أن يقترح أسلوبًا للتداول.
عاداتٌ تحمي القرار من الماضي
من العادات التي تساعد على تحييد هذه الأنماط أن نحدّد حجم المخاطرة في كلّ قرارٍ بقاعدةٍ ثابتة تُحسب على رأس المال الحاليّ كلّه، لا على «الأرباح» أو «الأصل»، وأن نكتب قبل الدخول في أيّ مركزٍ ما الذي يجعلنا نعيد النظر فيه، فلا يصير سعر الشراء هو المعيار الوحيد. ويشرح درس إدارة المخاطر فكرة الحجم الثابت، ويعرض دليل التفكير بمنطق الرهان كيف نفصل بين جودة القرار ونتيجته حتّى لا يحكم الماضي حاضرنا.
رأينا في هذا الفصل كيف يتسلّل الماضي إلى قراراتنا. وفي الفصل التالي ننتقل إلى مشكلةٍ تتعلّق بالمستقبل: ضبط النفس، والصراع الدائم بين جزءٍ فينا يخطّط للبعيد وجزءٍ يريد المتعة الآن. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في الاقتصاد السلوكيّ لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.