إذا كان أثر الملكيّة يكشف كيف تتغيّر قيمة الأشياء في أعيننا، فإنّ الحسابات الذهنيّة تكشف كيف نتعامل مع المال نفسه. وهذا المفهوم من أكثر ما ارتبط باسم ثالر، لأنّه يفسّر عددًا كبيرًا من السلوكيّات اليوميّة التي تبدو غريبةً من زاوية النظريّة ومألوفةً جدًّا من زاوية الحياة. ونخصّص له فصلين: هذا الفصل للميزانيّات والملصقات، والفصل التالي لأموال الربح السهل والتكاليف الغارقة.
المال واحد، والجيوب كثيرة
تفترض النظريّة التقليديّة أنّ المال قابلٌ للاستبدالخاصّيّةٌ تعني أنّ كلّ وحدةٍ من المال تساوي أيّ وحدةٍ أخرى وتحلّ محلّها، بصرف النظر عن مصدرها أو التسمية التي نعطيها لها أو الحساب الذي توجد فيه.، فالمئة التي جاءت من الراتب تساوي المئة التي جاءت هديّةً أو ربحًا عرضيًّا. لكنّ البشر لا يتعاملون معه هكذا. فنحن نمارس ما يسمّيه ثالر الحسابات الذهنيّةمجموعة العادات الذهنيّة التي نصنّف بها أموالنا ونتتبّعها ونقيّمها، فنقسّمها إلى «حساباتٍ» بحسب مصدرها أو الغرض المخصّص لها، ونعامل كلّ حسابٍ بقواعد مختلفة.: نضع على كلّ مبلغٍ ملصقًا، فهذا للإيجار، وذاك للعطلة، وهذا للطوارئ، ونتردّد في نقل المال من جيبٍ إلى آخر حتّى حين يكون ذلك منطقيًّا.
لماذا نفعل ذلك؟ وظيفة الميزانيّات
ليست الحسابات الذهنيّة خطأً محضًا. فهي في كثيرٍ من الأحيان أداةٌ لضبط النفس: الإنسان الذي لا يثق بقدرته على مقاومة الإنفاق يضع حدودًا لكلّ بند، فيعرف متى توقّف. والأسرة التي تخصّص مبلغًا للتعليم وتعدّه «غير قابلٍ للمسّ» تحمي هذا الهدف من الإغراءات اليوميّة. فالميزانيّة الذهنيّة تبسّط القرار وتقلّل الحاجة إلى المفاضلة المستمرّة بين كلّ رغبةٍ وأخرى. ويعرض دليل أغنى رجلٍ في بابل فكرة «ادفع لنفسك أوّلًا»، وهي في جوهرها حسابٌ ذهنيّ نافع يحمي الادّخار.
حين تصبح الجيوب مكلفة
المشكلة تظهر حين تمنعنا الملصقات من رؤية الصورة الكاملة. فقد يحتفظ شخصٌ بمدّخراتٍ في حسابٍ لا يجني إلّا عائدًا ضئيلًا، بينما يحمل في الوقت نفسه دينًا على بطاقةٍ ائتمانيّة بفائدةٍ مرتفعة، لأنّ المدّخرات «مخصّصة» لغرضٍ آخر. وقد يفرّط في إنفاق مبلغٍ جاءه هديّةً بينما يقتّر في إنفاق مبلغٍ مساوٍ جاءه من عمله. وفي الاستثمار قد يقيّم المرء كلّ مركزٍ منفصلًا عن غيره، فيرفض الأصل الذي يقلّل مخاطر المحفظة كلّها لأنّه يبدو وحده متقلّبًا. ويشرح مقال التنويع ببساطة لماذا تُقاس مخاطر المحفظة مجتمعةً لا أصلًا أصلًا.
مثالٌ توضيحيّ من عندنا
تخيّل موظّفًا افتراضيًّا ادّخر في حسابٍ مصرفيّ مبلغًا يسمّيه «صندوق السيّارة»، يجني عائدًا سنويًّا يقارب اثنين بالمئة، وعليه في الوقت نفسه دينٌ على بطاقةٍ ائتمانيّة يقارب المبلغ نفسه بفائدةٍ سنويّة تقارب عشرين بالمئة. الحساب البسيط يقول إنّ سداد الدين من الصندوق ثمّ إعادة بناء الصندوق بالأقساط التي كان يدفعها للبطاقة يوفّر عليه فارقًا كبيرًا. لكنّ الملصق يجعله يشعر بأنّ «صندوق السيّارة» ليس للمسّ. والمثال افتراضيّ، والأرقام فيه للتوضيح فقط، ولا يتناول الاعتبارات الشخصيّة كالحاجة إلى سيولة طوارئ، وإنّما يبيّن كيف يمكن للتسمية أن تخفي كلفةً حقيقيّة.
كيف نستفيد من الحسابات الذهنيّة دون أن نقع في فخّها؟
الدرس العمليّ ليس أن نلغي الميزانيّات، بل أن نستعملها بوعي. فالملصقات التي تحمي الادّخار وتمنع الإفراط في الإنفاق نافعة، والملصقات التي تمنعنا من سداد دينٍ مكلف أو من رؤية المحفظة كلّها ضارّة. ومن العادات المساعدة أن ننظر مرّةً في السنة على الأقلّ إلى صورة أموالنا مجتمعة، فنضع كلّ المدّخرات والديون والاستثمارات في ورقةٍ واحدة، ونسأل: لو بدأت من الصفر بهذا المجموع، هل كنت سأوزّعه بهذه الطريقة؟ ويعرض درس الاستثمار الآمن خطوةً بخطوة ترتيبًا منطقيًّا لهذه الأولويّات.
عرضنا في هذا الفصل الوجه العامّ للحسابات الذهنيّة. وفي الفصل التالي ننتقل إلى وجهين أكثر حضورًا في الأسواق: المال الذي يأتي بسهولة فنخاطر به بسهولة، والتكاليف الغارقة التي تدفعنا إلى الاستمرار في قراراتٍ خاسرة. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في الاقتصاد السلوكيّ لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.