بعد كلّ حركةٍ كبيرة في الأسواق تمتلئ الشاشات بالتفسيرات: لماذا ارتفع السعر، ولماذا كان ذلك متوقّعًا، ومن الذي «رآه قادمًا». ويبدو الأمر بعد وقوعه واضحًا إلى درجةٍ تجعلنا نتساءل كيف لم نره. ويرى الكتاب أنّ هذا الوضوح نفسه خدعة، وأنّ العقل يعيد كتابة الماضي بعد أن يعرف النهاية. وهذا الفصل يشرح كيف يحدث ذلك، ولماذا يفسد قدرتنا على التعلّم.
كنت أعرف ذلك
يسمّي علماء النفس هذه الظاهرة انحياز الإدراك المتأخّرميلٌ ذهنيّ يجعلنا نعتقد بعد معرفة نتيجة حدثٍ ما أنّها كانت متوقّعة أو واضحة منذ البداية، فنبالغ في تقدير ما كنّا نعرفه قبلها ونستهين بقدر الغموض الذي كان قائمًا.. فحين نعرف أنّ السوق هبطت، نتذكّر العلامات التي سبقت الهبوط وننسى العلامات التي كانت تشير إلى الاتّجاه المعاكس، فتبدو النتيجة حتميّة. والخطر هنا مزدوج: نقسو على أنفسنا لأنّنا «كان يجب أن نعرف»، ونثق أكثر ممّا ينبغي بقدرتنا على رؤية الحدث القادم. ويعرض درس الانحيازات المعرفيّة في التداول هذا الانحياز مع أقاربه من الأخطاء الذهنيّة.
القصّة أقوى من الإحصاء
ولأنّ العقل يحبّ القصص، فهو لا يكتفي بأنّ الحدث وقع، بل يبني له سلسلة أسبابٍ متماسكة. وهذا ما يُعرف بـ مغالطة السردميلنا إلى ربط الأحداث المتفرّقة في قصّةٍ متماسكة ذات أسبابٍ ونتائج واضحة، حتّى حين يكون جزءٌ كبير منها نتاج صدفة، فتبدو القصّة أكثر إقناعًا من الأرقام وأقلّ صدقًا منها.. فالقصّة تمنحنا شعورًا بالفهم، والفهم يمنحنا شعورًا بالسيطرة. لكنّ القصّة المقنعة ليست بالضرورة صحيحة؛ فقد تكون الأسباب التي نرويها مجرّد أحداثٍ تزامنت مع النتيجة، وقد يكون جزءٌ كبير من النتيجة صدفةً لا يستطيع أيّ سردٍ أن يحتويها. وقد تناول المؤلّف هذه المغالطة بتوسّع في كتابه اللاحق، أمّا هنا فالمهمّ أثرها في حكمنا على الأشخاص: فالرابح يُروى عنه أنّه عبقريّ، والخاسر يُروى عنه أنّه متهوّر، والقصّتان قد تصفان قرارًا متشابهًا مع نتيجتين مختلفتين.
كيف يفسد هذا التعلّم
إذا كانت الذاكرة تعيد كتابة نفسها بعد كلّ نتيجة، فإنّ مراجعة قراراتنا من الذاكرة وحدها مراجعةٌ مزوّرة دون قصد. فنحن نتذكّر أنّنا كنّا واثقين حين ربحنا، ونتذكّر أنّنا كنّا متردّدين حين خسرنا، وكلا التذكّرين قد يكون غير دقيق. ويعرض دليلنا لكتاب التفكير السريع والبطيء الآليّات الذهنيّة التي تجعل هذا يحدث، والفرق بين التفكير السريع الحدسيّ والتفكير البطيء المتأنّي.
الكتابة قبل النتيجة
والعلاج العمليّ الذي يتّسق مع روح الكتاب بسيط: اكتب قبل أن تعرف. دوّن سبب قرارك، وما الذي تتوقّعه، وما الذي سيجعلك تعترف بأنّك أخطأت، وكم تقدّر احتمال كلّ سيناريو. ثمّ قارن ذلك بما حدث. فالسجلّ المكتوب شاهدٌ لا يتأثّر بالنتيجة، ويُظهر الفرق بين ما كنت تعرفه وما تظنّ الآن أنّك كنت تعرفه. ويشرح درس دفتر التداول كيف تبني هذا السجلّ وتراجعه بانتظام.
رأينا في هذا الفصل كيف تخدعنا النظرة إلى الوراء. في الفصل التالي ننظر إلى الأمام: كيف يغيّر طول الفترة الزمنيّة التي نحكم فيها معنى النتائج، ولماذا يحتاج كشف المهارة إلى وقتٍ لا يملكه كثيرون. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في التفكير الاحتماليّ وسلوك المستثمر لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.