رأينا في الفصل الثالث أنّ الفترات القصيرة أكثر ضجيجًا من الطويلة. وفي هذا الفصل نوسّع الفكرة من متابعة الأسعار إلى تقييم الأداء نفسه: كيف يتغيّر معنى النتيجة بتغيّر المدّة التي نقيس فيها، ولماذا يكون الحكم السريع على النفس أو على الآخرين حكمًا على الحظّ في الغالب. ثمّ نضيف شرطًا يذكّر به الكتاب مرارًا: أنّ المدى الطويل لا ينفع إلّا من بقي حتّى يبلغه.
المدى القصير ساحة الحظّ
كلّما قصرت فترة القياس زاد نصيب الصدفة في النتيجة. ففي شهرٍ واحد قد يتفوّق مستثمرٌ لا يملك أيّ أفضليّة على آخر يملكها، لأنّ تقلّبات الشهر أكبر بكثير من أثر المهارة فيه. وفي سنةٍ واحدة قد يحدث الشيء نفسه. أمّا عبر عشر سنواتٍ ودوراتٍ صاعدة وهابطة، فيصعب على الحظّ وحده أن يحافظ على التفوّق. ولذلك يحتاج اختيار الأفق الزمنيّالمدّة الزمنيّة التي يُقاس فيها أداء قرارٍ أو استراتيجيّة أو يُنتظر فيها تحقّق هدفٍ استثماريّ، وهي تحدّد وتيرة المتابعة المناسبة ومقدار التقلّب الذي ينبغي توقّعه وتحمّله. المناسب إلى وعيٍ بأنّ الحكم الذي نصدره بعد فترةٍ قصيرة هو في الغالب حكمٌ على الصدفة.
الارتداد إلى المتوسّط
ومن الظواهر التي تتّضح مع الزمن الارتداد إلى المتوسّطميلٌ إحصائيّ تعود فيه النتائج المتطرّفة، التي جاء جزءٌ منها من الصدفة، إلى الاقتراب من المتوسّط في الفترات التالية، فيبدو المتفوّق الاستثنائيّ أقلّ تفوّقًا لاحقًا والمتأخّر الاستثنائيّ أقلّ تأخّرًا.. فإذا كان جزءٌ من تفوّق صاحب أفضل أداءٍ هذا العام قد جاء من الحظّ، فمن المتوقّع أن يكون أداؤه في العام التالي أقرب إلى المتوسّط، لا لأنّه فقد مهارته، بل لأنّ الحظّ لا يتكرّر بالضرورة. وهذا يفسّر لماذا يخيب أمل كثيرين ممّن يطاردون أصحاب أفضل نتائج العام الماضي. ولا يعني ذلك أنّ كلّ متفوّقٍ سيتراجع، بل أنّ التفوّق المتطرّف في فترةٍ قصيرة يستحقّ قدرًا من الحذر.
أنماطٌ قصيرة تبدو قوانين
وينطبق الأمر نفسه على الأنماط التي نكتشفها في البيانات. فنمطٌ ظهر في ثلاث سنوات قد يكون صدفةً تبدو قانونًا، خصوصًا إذا بحثنا عنه بين عشرات الأنماط الممكنة. ويشرح درس الموسميّة في الأسواق كيف تُقرأ الأنماط الموسميّة بحذر، ولماذا لا يكفي أن يتكرّر نمطٌ في الماضي ليصبح قاعدةً للمستقبل. فكلّما طالت الفترة وتنوّعت الظروف التي ظهر فيها النمط، زادت احتمالات أن يكون له معنى، دون أن يصبح مضمونًا.
المدى الطويل لمن ينجو
لكنّ الكتاب يحذّر من تحويل «المدى الطويل» إلى شعارٍ مريح. فالحديث عنه يفترض ضمنًا أنّك ستبقى في اللعبة حتّى تصل إليه. ومن يخاطر بحجمٍ قد يُخرجه منها في الطريق لن يستفيد من أيّ ميزةٍ للزمن، مهما كانت أفضليّته. والسؤال الصحيح ليس «ما متوسّط العائد عبر عشرين سنة؟» فقط، بل أيضًا «هل أستطيع أن أتحمّل أسوأ ما قد يحدث خلال هذه السنوات دون أن أضطرّ إلى الخروج؟». ويعرض دليلنا لكتاب سيكولوجية المال هذه الفكرة من زاوية المستثمر الفرد وعلاقته بالصبر والنجاة.
رأينا في هذا الفصل أنّ الزمن يكشف المهارة لمن يبقى حتّى النهاية. في الفصل التالي نسأل السؤال العمليّ: كيف نبقى؟ وكيف نبني قراراتٍ متواضعة ومتينة تجعل تجنّب الخراب أولويّةً تسبق مطاردة العائد. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في التفكير الاحتماليّ وسلوك المستثمر لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.