تعلّمنا في الفصل السابق أنّ العيّنات الكبيرة أصدق من الصغيرة. لكنّ الكتاب ينبّه إلى حالةٍ تخدع حتّى السجلّات الطويلة: حين تكون الخسارة الكبيرة نادرةً إلى درجة أنّها لا تظهر في البيانات لسنوات. وهذا الفصل يشرح لماذا لا يكفي أن نعدّ مرّات النجاح، بل يجب أن نزن حجم ما يحدث في كلّ مرّة.
عدد المرّات وحجمها
يحبّ الناس الاستراتيجيّات التي تربح كثيرًا، لأنّ الربح المتكرّر مريح نفسيًّا. لكنّ ما يحدّد المحصّلة ليس عدد مرّات الربح، بل مجموع الأرباح مقابل مجموع الخسائر. ويُطلق على الحالات التي يختلف فيها حجم الربح المحتمل كثيرًا عن حجم الخسارة المحتملة اسم العائد غير المتماثلحالةٌ لا يتساوى فيها حجم الربح المحتمل مع حجم الخسارة المحتملة، فقد يكون الربح صغيرًا متكرّرًا والخسارة كبيرة نادرة أو العكس، ولذلك لا تكفي نسبة النجاح وحدها للحكم على القرار.. ويشرح مصطلح نسبة المخاطرة إلى العائد في موسوعة أُسس الوجه البسيط من هذه الفكرة: مقارنة ما قد تخسره بما قد تربحه قبل أيّ قرار.
مثالٌ توضيحيّ بأرقامٍ مستديرة
لنفترض استراتيجيّةً تربح واحدًا في المئة شهريًّا، شهرًا بعد شهر، لنحو أربع سنوات. سجلٌّ كهذا يبدو مثاليًّا: خطٌّ صاعد هادئ بلا تقلّبات تُذكر، وقد ينمو الحساب بما يزيد قليلًا على ستّين في المئة. ثمّ يأتي شهرٌ واحد غير عاديّ تخسر فيه الاستراتيجيّة ستّين في المئة. الحساب الذي نما من مئة إلى نحو مئةٍ وواحدٍ وستّين يعود إلى نحو أربعةٍ وستّين، أي أقلّ ممّا بدأ به بكثير. أربع سنواتٍ من النجاح المنتظم مُحيت في شهر. والأرقام هنا توضيحيّة، لكنّ هذا النمط ليس خياليًّا، فهو يتكرّر بصورٍ مختلفة كلّما باع الناس حمايةً من حدثٍ نادر أو اعتمدوا على أنّ «هذا لا يحدث».
الذيل الذي لا يظهر في البيانات
المشكلة أنّ الحدث النادر بطبيعته قد لا يظهر في السجلّ. فإذا كان يقع مرّةً كلّ عشر سنوات، فإنّ بيانات خمس سنوات قد تخلو منه تمامًا، فيبدو الخطر غائبًا. وهنا يتحدّث المختصّون عن مخاطر الذيلاحتمال وقوع أحداثٍ متطرّفة في أطراف توزيع النتائج، بعيدًا عن المتوسّط، وهي نادرة لكنّ أثرها كبير، وكثيرًا ما تقلّل النماذج البسيطة من تقدير احتمالها.، أي الأحداث البعيدة عن المتوسّط التي تقلّل النماذج البسيطة من تقديرها. وقد خصّص المؤلّف كتابه اللاحق لهذه الأحداث عظيمة الأثر، وعرضناه في دليل البجعة السوداء؛ أمّا هنا فالتركيز على أثرها في قراءتنا للسجلّات: غياب الحدث عن الماضي لا يعني غيابه عن المستقبل.
الوجه الآخر من اللاتماثل
ويلفت الكتاب إلى أنّ اللاتماثل ليس شرًّا دائمًا. فبعض القرارات تقبل خسائر صغيرة متكرّرة مقابل احتمال ربحٍ كبير نادر، وصاحبها يبدو «فاشلًا» أغلب الوقت لكنّه محميّ من الخراب. والفكرة ليست أنّ نوعًا من الاستراتيجيّات أفضل من الآخر دائمًا، بل أن تعرف أيّ نوعٍ تحمل، وأن تكون الخسارة القصوى المحتملة محدودةً بما تستطيع تحمّله. ومن الأدوات البسيطة في ذلك تحديد وقف الخسارة وحجم المخاطرة قبل الدخول لا بعده، مع إدراك أنّ وقف الخسارة نفسه قد لا يُنفَّذ بالسعر المحدّد في الأسواق السريعة.
رأينا في هذا الفصل لماذا يجب أن نزن النتائج لا أن نعدّها فقط. في الفصل التالي ننتقل إلى طريقة تفكيرنا بعد وقوع الأحداث: لماذا يبدو كلّ شيءٍ واضحًا بعد حدوثه، وكيف نصنع قصصًا مقنعة لما كان في الحقيقة مزيجًا من الصدفة والقرار. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في التفكير الاحتماليّ وسلوك المستثمر لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.