بعد أن رأينا كيف يمكن للأسواق أن تبتعد عن التوازن ابتعادًا كبيرًا، يصير السؤال الطبيعيّ: من يمنعها من الذهاب بعيدًا؟ والجواب المعتاد هو البنوك المركزيّة والجهات التنظيميّة. لكنّ الكتاب يطبّق عليها المبدأ نفسه الذي طبّقه على المستثمرين: فهمها ناقصٌ أيضًا، وتدخّلها لا يأتي من خارج اللعبة بل يصير جزءًا منها.
الحاجة إلى من يتدخّل
إن كانت الأسواق تميل أحيانًا إلى حلقاتٍ معزِّزة تدفعها نحو التطرّف، فإنّ تركها وحدها قد يعني انهياراتٍ تمتدّ آثارها إلى الاقتصاد كلّه. ولهذا يرى الكتاب أنّ للتنظيم دورًا ضروريًّا لا يمكن الاستغناء عنه، وأنّ الاعتقاد بأنّ الأسواق تصحّح نفسها دائمًا اعتقادٌ خطر. ومن أهمّ أدوار البنك المركزيّ في هذا السياق أن يكون المقرض الأخيرالجهة، وهي عادةً البنك المركزيّ، التي تقدّم السيولة للبنوك والمؤسّسات الماليّة في أوقات الأزمات حين يعجز السوق عن ذلك، لمنع انتشار الذعر وتحوّل أزمة سيولةٍ مؤقّتة إلى انهيارٍ شامل.: الجهة التي تضخّ السيولة حين يجفّ الإقراض في السوق، فتكسر حلقة البيع القسريّ التي رأيناها في فصل الائتمان.
لكنّ المنظّم يخطئ أيضًا
المشكلة أنّ صانع السياسة يعمل في الظروف نفسها التي يعمل فيها المستثمر: بياناتٌ متأخّرة، واقتصادٌ يتغيّر بفعل قراراته، ومشاركون يحاولون توقّع ما سيفعل. فإن رفع الفائدة قد يكبح التضخّم، لكنّه قد يكشف ديونًا هشّة لم يكن يراها. وإن خفّضها قد ينعش الاقتصاد، لكنّه قد يغذّي حلقة ائتمانٍ جديدة. والأسواق لا تنتظر القرار لتتفاعل معه، بل تتفاعل مع توقّعات الفائدة قبل صدوره، ومع لهجة المسؤولين بين التشدّد والتيسير. أيّ أنّ المنظّم نفسه يصير موضوعًا لتصوّرات المشاركين، وتصوّراتهم عنه تغيّر أثر قراراته.
الخطر الأخلاقيّ
ويضيف الكتاب ملاحظةً دقيقة: كلّ تدخّلٍ ناجح يحمل بذرة مشكلةٍ مقبلة. فحين يتعلّم المشاركون أنّ الجهات العامّة ستتدخّل لمنع الانهيار الكبير، يصيرون أكثر استعدادًا للمخاطرة، وهذا ما يُعرف بـ الخطر الأخلاقيّميل المشاركين إلى تحمّل مخاطر أكبر حين يعتقدون أنّ غيرهم سيتحمّل جزءًا من الخسارة إن ساءت الأمور، كأن يتوقّعوا إنقاذًا حكوميًّا أو تدخّلًا من البنك المركزيّ.. فالإنقاذ المتوقّع يشجّع على الاقتراب من الحافّة، والاقتراب من الحافّة يجعل الإنقاذ التالي أكثر ضرورةً وأكبر كلفة. وهكذا يتشكّل نوعٌ آخر من الانعكاسيّة بين السوق ومن ينظّمها، يصعب كسره دون ألم.
التنظيم عمليّة تعلّم
لا يخلص الكتاب إلى أنّ التنظيم عديم الجدوى، ولا إلى أنّه قادرٌ على كلّ شيء، بل إلى أنّه عمليّة تعلّمٍ مستمرّة: تتعلّم الأسواق كيف تلتفّ على القواعد، ويتعلّم المنظّمون من الأزمة الأخيرة، وتنشأ أدواتٌ جديدة تخلق مخاطر جديدة. والدرس العمليّ للقارئ أن يتوقّف عن انتظار يقينٍ من البنوك المركزيّة؛ فقراراتها ليست ضماناتٍ بل محاولاتٌ تقوم على فهمٍ ناقص، وقد تنجح أو تخطئ. ومن أراد التعمّق في كيفيّة تأثير قرارات الفائدة في الأسواق فسيجد في موسوعتنا مدخلًا عن التضخّم وعلاقته بالسياسة النقديّة.
إذا كان الجميع قابلين للخطأ، المستثمر والمنظّم معًا، فكيف يتعامل المرء مع السوق دون أن يدّعي فهمًا لا يملكه؟ في الفصل التالي نعرض فكرة «التجربة الحيّة» التي يقترحها الكتاب: أن تصوغ فرضيّاتك وتختبرها وتغيّر رأيك حين يخالفك الواقع. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في فهم الأسواق والمنهج لا توصياتٍ استثماريّة ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.