يخصّص الكتاب مساحةً واسعة للعملات وحركة رأس المال بين الدول، لأنّه يرى فيها ميدانًا تكاد الانعكاسيّة تعمل فيه بلا كوابح. وسنعرض هنا الأفكار العامّة التي يطرحها دون الدخول في تفاصيل حقبةٍ بعينها أو قرارات أشخاصٍ بعينهم، فالمقصود أن نفهم المنطق لا أن نعيد رواية التاريخ.
سعرٌ يغيّر ما يقيسه
النظرة التقليديّة ترى سعر الصرف انعكاسًا لأساسيّات الاقتصاد: ميزان التجارة، والتضخّم، وأسعار الفائدة. لكنّ سعر الصرف لا يبقى في موقع القارئ المحايد. فعملةٌ ترتفع تجعل الواردات أرخص فتخفض التضخّم، وتضغط على المصدّرين فتضعف بعض الصناعات، وتخفّف عبء الديون المقوّمة بعملاتٍ أجنبيّة. وعملةٌ تهبط تفعل العكس. أيّ أنّ الأساسيّات التي يُفترض أنّها تحدّد السعر تتغيّر هي نفسها بفعل السعر. ومن يتابع مؤشّر الدولار يلاحظ كيف يمتدّ أثر عملةٍ واحدة إلى السلع والأسهم والديون حول العالم.
تدفّقات رأس المال وقود الحلقة
في عالمٍ تتنقّل فيه الأموال بحرّيّة تصير تدفّقات رأس المالحركة الأموال بين الدول بحثًا عن عائدٍ أعلى أو أمانٍ أكبر، سواءٌ في صورة استثماراتٍ في الأسهم والسندات أو ودائع أو استثماراتٍ مباشرة، وهي تؤثّر بقوّة في أسعار الصرف والفائدة وأسعار الأصول المحلّيّة. أهمّ في أحيانٍ كثيرة من تجارة السلع في تحديد سعر العملة. تخيّل بلدًا يرفع أسعار الفائدة لكبح التضخّم. يجذب العائد الأعلى أموالًا أجنبيّة، فترتفع العملة. الآن يربح المستثمر الأجنبيّ مرّتين: من العائد ومن ارتفاع العملة، فيأتي مزيدٌ من المال، فترتفع العملة أكثر. وقد يخفّ التضخّم بفضل الواردات الأرخص، فيبدو الاقتصاد أقوى، فيزداد الإقبال. كلّ عنصرٍ في هذه السلسلة يؤكّد الآخر.
الاتّجاه ذاتيّ التعزيز وحدوده
هذا ما يسمّيه الكتاب في سياق العملات الاتّجاه ذاتيّ التعزيزحركةٌ في سعر أصلٍ أو عملة تولّد بنفسها الظروف التي تدعم استمرارها، فيجذب الصعود مزيدًا من المشترين أو يجذب الهبوط مزيدًا من البائعين، إلى أن يتراكم ما يكفي من الاختلال لينقلب الاتّجاه.. لكنّه لا يستمرّ إلى الأبد. فالعملة القويّة تضعف الصادرات وتوسّع العجز التجاريّ، والاعتماد على الأموال الأجنبيّة يجعل الاقتصاد رهينةً لمزاج المستثمرين. وفي لحظةٍ ما يكفي تغيّرٌ صغير في التوقّعات لتنعكس التدفّقات، فتعمل الحلقة في الاتّجاه المعاكس: هبوط العملة يدفع الأموال إلى الخروج، والخروج يدفع العملة إلى هبوطٍ أكبر، ويرتفع عبء الديون الخارجيّة فيضعف الاقتصاد فعلًا. وهذا يشبه ما رأيناه في تسلسل الصعود والانهيار، لكن على مستوى بلدٍ كامل.
ترابط الأسواق
ما يجعل هذا الميدان أعقد أنّ العملات لا تتحرّك وحدها؛ فهي ترتبط بأسعار الفائدة والسندات والأسهم والسلع، وكلّ سوقٍ منها تغذّي الأخرى. ولهذا يرى الكتاب أنّ فهم سوقٍ واحدة بمعزلٍ عن غيرها قد يكون مضلّلًا. وفكرة تشابك الأسواق هذه يشرحها بصورةٍ عمليّة درس الارتباط بين الأصول في أكاديميّة أُسس. ونضيف تحذيرًا صريحًا: المضاربة على العملات بالرافعة من أعلى الأنشطة مخاطرةً، والغرض من هذا الفصل فهم الآليّة لا تشجيع أحدٍ على محاكاتها.
إذا كانت الأسواق تبتعد عن التوازن بهذه الطريقة، فمن يعيدها إليه؟ في الفصل التالي نتأمّل دور الجهات التنظيميّة والبنوك المركزيّة، ونرى لماذا يعتبر الكتاب أنّ فهمها هي أيضًا ناقصٌ وقابلٌ للخطأ. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في فهم الأسواق والمنهج لا توصياتٍ استثماريّة ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.