لا يشتري أكثر الناس سهمًا لمجرّد أنّ سعره ارتفع، فهم يحتاجون إلى تفسيرٍ يجعل الارتفاع مفهومًا ويطمئنهم إلى أنّهم لا يدفعون أكثر ممّا ينبغي. ويلاحظ الكتاب أنّ كلّ طفرةٍ كبرى في التاريخ الحديث رافقتها قصّةٌ من هذا النوع، تقول في جوهرها إنّ العالم تغيّر وإنّ المقاييس القديمة لم تعد صالحة. ونسمّي هذه القصص هنا روايات العصر الجديد.
بنية الرواية
تتشابه هذه الروايات في بنيتها مهما اختلفت تفاصيلها. فهي تبدأ بتغيّرٍ حقيقيّ ظاهر، كتقنيةٍ جديدة أو إصلاحٍ اقتصاديّ أو انفتاحٍ على أسواقٍ لم تكن متاحة، ثمّ تستنتج منه أنّ النموّ سيكون أسرع وأطول من أيّ وقتٍ مضى، ثمّ تقفز إلى أنّ مستويات التقييم التي كانت تُعدّ مرتفعة صارت معقولة، بل رخيصة. وتختصر هذه البنية عبارةٌ يعرفها كلّ من قرأ تاريخ الأسواق: «هذه المرّة مختلفة». ويتتبّع دليل تاريخ موجز للنشوة الماليّة تكرار هذه العبارة بأشكالٍ مختلفة عبر القرون.
لماذا تنتشر الرواية في الطفرة تحديدًا؟
يرى الكتاب أنّ العلاقة بين الرواية والسعر علاقةٌ متبادلة. فالرواية لا تسبق الارتفاع دائمًا، بل كثيرًا ما تتبعه: يرتفع السوق أوّلًا، ثمّ يبحث المعلّقون والمحلّلون عن تفسير، فيجدونه في التحوّل الأبرز في زمنهم. ومتى انتشر التفسير صار وقودًا لمزيدٍ من الارتفاع. وهذا ما يجعل الرواية جزءًا من الاقتصاد السرديّالفكرة القائلة إنّ القصص التي يتداولها الناس عن الاقتصاد والأسواق تنتشر بينهم كما تنتشر العدوى، وتؤثّر في قراراتهم الاستهلاكيّة والاستثماريّة، فتصبح هي نفسها قوّةً تحرّك الأسعار والنشاط الاقتصاديّ.، وهو مجالٌ طوّره شيلر لاحقًا في أعمالٍ أخرى، ويرى فيه أنّ القصص المتداولة ليست مجرّد انعكاسٍ للأحداث بل قوّةٌ تصنعها.
النواة الصادقة والقفزة الخاطئة
ما يجعل هذه الروايات خطيرة أنّها ليست أكاذيب. فالسكك الحديديّة غيّرت التجارة فعلًا، والإنترنت غيّرت الحياة فعلًا. والخطأ لا يكمن في الإيمان بالتغيّر، بل في افتراض أنّ هذا التغيّر سيصبّ أرباحًا في جيوب المساهمين بقدر ما يتخيّلون، وأنّ المنافسة لن تأكل هذه الأرباح، وأنّ السعر المدفوع اليوم لا يهمّ ما دام المستقبل باهرًا. ومثالٌ توضيحيّ من عندنا: قد تكون صناعةٌ ما ستتضاعف خلال عقد، لكن إن كان سعر شركاتها يفترض أنّها ستتضاعف خمس مرّات، فإنّ المستثمر قد يخسر وهو محقٌّ في قراءته للصناعة. ويشرح درس الأرباح والتوقّعات لماذا تتحرّك الأسعار بالفرق بين النتائج والتوقّعات لا بالنتائج وحدها.
أسئلةٌ تساعد على التمييز
لا يقدّم الكتاب وصفةً تكشف كلّ رواية، لكنّ روحه تقترح أسئلةً يمكن أن يطرحها القارئ على أيّ قصّةٍ من هذا النوع: هل التغيّر المذكور جديدٌ حقًّا أم أنّ له سوابق تاريخيّة؟ ومن سيجني أرباحه، المساهم أم المستهلك أم المنافس الجديد؟ وما الذي يفترضه السعر الحاليّ عن المستقبل، وهل هذا الافتراض معقول؟ وهل نسمع الرواية من باحثين متأنّين أم من مروّجين يستفيدون من انتشارها؟ وتساعد الانحيازات المعرفيّة في التداول على فهم لماذا نميل إلى تصديق القصص التي تؤكّد ما نتمنّاه.
رأينا كيف تبرّر القصص الأسعار. في الفصل التالي نسأل: كيف تنتشر هذه القصص بين الناس، وما دور وسائل الإعلام والثقافة في نشرها؟ وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في فهم الفقاعات وسلوك الأسواق لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.