قف في شارعٍ مزدحم وانظر إلى السماء، ثمّ راقب ما يحدث. سيرفع بعض المارّة رؤوسهم ليروا ما تراه، ثمّ يرفعها آخرون لأنّ غيرهم يفعل، دون أن يعرف أحدٌ ما الذي ينظرون إليه. هذا الميل إلى تقليد الآخرين قديمٌ قِدم الإنسان، وقد كان في الأصل مفيدًا للبقاء: إن ركض الجميع فالأرجح أنّ هناك خطرًا. لكنّ مونتيير يرى أنّه في الأسواق يتحوّل إلى أحد أكثر مصادر الخسارة تكرارًا.
لماذا نتبع القطيع
يُسمّى هذا الميل سلوك القطيعميل الأفراد إلى تقليد ما تفعله الأغلبيّة في قراراتهم، شراءً أو بيعًا، بدافع الأمان الاجتماعيّ أو افتراض أنّ الآخرين يعرفون أكثر، بدل الاعتماد على تحليلٍ مستقلّ، فتتضخّم موجات الصعود والهبوط.، وله أسبابٌ عدّة. أوّلها أنّنا نفترض أنّ الآخرين يعرفون شيئًا لا نعرفه. وثانيها أنّ العزلة عن الجماعة تُعاش كألمٍ حقيقيّ، يشبه في أثره النفسيّ ألم الجسد. وثالثها أنّ الخطأ مع الجميع أخفّ على النفس والسمعة من الخطأ وحيدًا؛ فمن خسر مع الأغلبيّة يقول «لم يتوقّعها أحد»، أمّا من خسر وحده فلا عذر له. ويغذّي ذلك كلّه الخوف من فوات الفرصة، حين يرى المرء غيره يربح فيشعر بأنّ البقاء خارج الموجة خسارةٌ بحدّ ذاتها.
كيف تتضخّم الموجات
حين يشتري كثيرون لأنّ السعر يرتفع، يرتفع السعر أكثر لأنّهم اشتروا، فيجذب مشترين جددًا، وهكذا. ويحدث العكس في الهبوط. بهذه الحلقة تبتعد الأسعار عن أيّ تقديرٍ معقول للقيمة، صعودًا أو هبوطًا، ثمّ تعود فجأةً حين ينقلب المزاج. ومن أراد أن يرى كيف تكرّرت هذه الموجات عبر القرون، فليرجع إلى دليلنا لكتاب الأوهام الشعبيّة الاستثنائيّة وجنون الحشود.
ثمن الاستقلال
إن كان القطيع يدفع الأسعار إلى المبالغة، فقد يبدو الحلّ سهلًا: افعل العكس. لكنّ الكتاب يعترف بأنّ التفكير المعاكسنهجٌ يقوم على التفكير باستقلالٍ عن المزاج السائد، وفحص ما إذا كانت توقّعات الأغلبيّة قد صارت محسوبةً في الأسعار بإفراط، دون أن يعني ذلك مخالفة الجماعة آليًّا في كلّ حين. مؤلمٌ في التطبيق. فمن يبتعد عن الإجماع قد يبدو مخطئًا شهورًا طويلة قبل أن يتبيّن صوابه، إن تبيّن. وطوال تلك المدّة يسمع السخرية ويرى غيره يربح ويشكّ في نفسه. ثمّ إنّ المخالفة الآليّة ليست حكمةً بل قطيعٌ معكوس؛ فالجماعة تكون على حقٍّ في أحيانٍ كثيرة.
الإجماع معلومةٌ لا أمر
الموقف الأنضج أن تعامل رأي الأغلبيّة بوصفه معلومةً تحتاج إلى فحص. اسأل: ماذا يتوقّع الجميع الآن؟ وكم من هذا التوقّع صار محسوبًا في السعر؟ وهل لديّ سببٌ مستقلّ لموقفي غير رغبتي في الانتماء أو في التميّز؟ ثمّ احمِ نفسك من ضغط اللحظة بقواعد مسبقة، كما رأينا في الفصل الأوّل، لأنّ الصمود أمام الجماعة يصعب جدًّا حين يُترك لقوّة الإرادة وحدها.
رأينا كيف تجرّنا الجماعة إلى قراراتٍ لا نختارها حقًّا. في الفصل التالي نعود إلى داخل النفس لنتأمّل علاقتنا بالخسارة: لماذا يؤلمنا فقدان المال أكثر ممّا يسعدنا كسبه، وكيف يدفعنا ذلك إلى أخطاءٍ متكرّرة. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في سلوك المستثمر لا توصياتٍ استثماريّة ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.