بعد كلّ أزمةٍ ماليّة كبيرة تظهر عشرات التحليلات التي تشرح بوضوحٍ مدهش لماذا كان ما حدث «حتميًّا». تُرسم الخطوط، وتُجمع الإشارات، ويبدو كلّ شيءٍ مترابطًا. ويتساءل القارئ: كيف لم يرَ أحدٌ ذلك؟ يلفت مونتيير إلى أنّ هذا الوضوح نفسه وهم، وأنّه من أكثر ما يعيق تعلّمنا، سواءٌ من تاريخ الأسواق أو من تاريخنا الشخصيّ مع قراراتنا.
الماضي يُكتب من جديد
يسمّي علماء النفس هذه الظاهرة انحياز الإدراك المتأخّرميل الإنسان، بعد معرفة نتيجة حدثٍ ما، إلى الاعتقاد بأنّها كانت متوقّعةً وواضحة منذ البداية، فيبالغ في تقدير ما كان يعرفه أو يمكن معرفته قبل وقوعها، وتتلوّن ذاكرته عن توقّعاته السابقة.. حين نعرف النتيجة يعيد العقل ترتيب الذكريات حولها: الإشارات التي أيّدتها تبدو الآن ساطعة، والإشارات التي ناقضتها تتوارى. بل إنّ ذاكرتنا عن توقّعاتنا السابقة نفسها تتغيّر، فنتذكّر أنّنا كنّا أكثر تأكّدًا ممّا كنّا. تخيّل شخصًا قال قبل عامٍ إنّ احتمال تراجعٍ كبير هو عشرون في المئة، ثمّ وقع التراجع؛ سيتذكّر غالبًا أنّه كان «شبه متأكّد».
لماذا يعيق التعلّم
التعلّم يبدأ من المفاجأة. حين يحدث ما لم نتوقّعه، نسأل: ما الذي فاتني؟ لكنّ انحياز الإدراك المتأخّر يمحو المفاجأة، فيحلّ محلّ السؤال شعورٌ مريح بأنّنا كنّا نعرف. والنتيجة مضاعفة: لا نتعلّم ممّا فاتنا، وفي الوقت نفسه تزداد ثقتنا في قدرتنا على رؤية المستقبل، فنعود إلى الثقة الزائدة التي ناقشناها في الفصل الثاني.
التاريخ يتشابه ولا يتكرّر
ومن الوجه الآخر لهذا الوهم أن يظنّ الناس في كلّ مرحلة حماسٍ أنّ «هذه المرّة مختلفة». فالأزمات السابقة تبدو، بعد فهمها، أخطاءً واضحةً لن نقع فيها، فنغفل عن أنّ المشاعر التي صنعتها — الطمع ثمّ الخوف — لم تتغيّر. يختلف الشكل الخارجيّ من دورةٍ إلى أخرى، لكنّ النمط البشريّ يتكرّر بإصرار. ولهذا تفيد دراسة دورة السوق كما تعرضها أكاديميّة أُسس: لا لتوقّع الموعد القادم، بل لتمييز المزاج العامّ الذي نعيش فيه.
سجلٌّ يحمي الذاكرة
العلاج العمليّ بسيط لكنّه يحتاج إلى انضباط: اكتب توقّعاتك وأسبابك ودرجة ثقتك قبل أن تعرف النتيجة. حين تعود إليها لاحقًا ستجد ما كنت تفكّر فيه فعلًا لا ما تتخيّل أنّك فكّرت فيه. ويمكن تعميم الفكرة على قراءة التاريخ: حين تدرس أزمةً قديمة، حاول أن تضع نفسك في لحظتها، بما كان متاحًا من معلوماتٍ وقتها، واسأل: ماذا كنت سأفعل لو لم أعرف الخاتمة؟تمرينٌ ذهنيّ يحاول فيه دارس حدثٍ تاريخيّ أن يقرأه بما كان معروفًا قبل وقوعه فقط، متجاهلًا النتيجة التي يعرفها الآن، ليفهم صعوبة القرار الحقيقيّة في حينه بدل الحكم عليه بعد انكشاف الخاتمة. هذا التمرين يعيد إلى الماضي غموضه الحقيقيّ، ويعلّمك التواضع أمام المستقبل.
عرفنا كيف نعيد كتابة الماضي لنبدو أذكى ممّا كنّا. في الفصل التالي ننتقل إلى قوّةٍ اجتماعيّة هائلة في الأسواق: القطيع، ولماذا يكون الخروج عليه مؤلمًا حتّى حين يكون معقولًا. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في سلوك المستثمر لا توصياتٍ استثماريّة ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.