تخيّل أنّك وجدت في جيبك مئة ريالٍ لم تكن تعرف بوجودها، ثمّ تخيّل في يومٍ آخر أنّك أضعت مئة ريال. هل يتساوى الشعوران؟ أغلب الناس يجيبون بلا: ألم الفقد أثقل بكثير من فرحة الكسب. هذه الملاحظة البسيطة من أرسخ ما توصّل إليه علم النفس الاقتصاديّ، ويخصّص لها مونتيير مكانًا مهمًّا لأنّها تفسّر كثيرًا من الأخطاء التي يكرّرها المستثمرون عامًا بعد عام.
الخسارة أثقل من الربح
تُسمّى هذه الظاهرة كراهية الخسارةميل الإنسان إلى الشعور بألم الخسارة بقدرٍ يفوق شعوره بفرحة ربحٍ مساوٍ لها في المقدار، فيبالغ في تجنّب الخسائر حتّى حين يكلّفه ذلك فرصًا أو يدفعه إلى قراراتٍ أسوأ.. وتقدّر الأبحاث عمومًا أنّ ألم خسارة مبلغٍ ما يعادل فرحة ربح ضعفه تقريبًا. لهذا يرفض كثيرون رهانًا عادلًا تمامًا يتساوى فيه احتمال ربح مئة وخسارة مئة، ولا يقبلونه إلّا إذا كان الربح المحتمل أكبر بكثير. وفي الاستثمار تجعلنا هذه الكراهية نراقب محافظنا بقلق، فكلّما نظرنا أكثر رأينا خسائر صغيرةً عابرة أكثر، وشعرنا بألمٍ أكبر ممّا تستحقّه.
نقطف الأزهار ونسقي الأعشاب
ومن أبرز صور هذه الظاهرة أثر التصرّفميل المستثمرين إلى بيع الأصول الرابحة مبكّرًا لتثبيت شعور النجاح، والاحتفاظ بالأصول الخاسرة طويلًا تجنّبًا للاعتراف بالخسارة وتحويلها إلى خسارةٍ نهائيّة، بدافعٍ نفسيّ لا بناءً على تقييمٍ لحالة كلّ أصل.. تخيّل محفظةً فيها أصلان: الأوّل ارتفع بنسبة عشرين في المئة، والثاني هبط بالنسبة نفسها. يميل أغلب الناس إلى بيع الأوّل ليشعروا بالنجاح، والاحتفاظ بالثاني على أمل أن «يعود». والنتيجة مع الوقت محفظةٌ تتخلّص من أفضل ما فيها وتحتفظ بأضعفه، كمن يقطف أزهار حديقته ويسقي أعشابها الضارّة. والسؤال الصحيح لا علاقة له بسعر الشراء، كما رأينا في الفصل الخامس، بل بحال كلّ أصلٍ اليوم وما ينتظره غدًا.
فخّ ما دفعناه
ويتّصل بذلك خطأ التكاليف الغارقة: أن نتمسّك بقرارٍ لأنّنا استثمرنا فيه مالًا أو وقتًا أو جهدًا كثيرًا، لا لأنّه ما زال الخيار الأفضل. من يواصل مشاهدة فيلمٍ مملّ لأنّه دفع ثمن التذكرة يخسر ساعتين إضافيّتين فوق ثمنها. وفي المال، قد يضاعف شخصٌ استثماره في فكرةٍ خاسرة ليخفّض متوسّط سعره، لا لأنّ أسبابه تحسّنت بل لأنّه لا يحتمل أن يكون ما دفعه قد ضاع. القاعدة هنا واضحة: ما ذهب قد ذهب، والقرار يُبنى على ما بعد اليوم.
كيف نخفّف الأثر
أوّل علاجٍ أن نقلّل عدد المرّات التي ننظر فيها إلى محافظنا؛ فمن يستثمر لسنوات لا يحتاج إلى رؤية تقلّبات كلّ ساعة تثير ألمه دون فائدة. والثاني أن نحدّد مسبقًا، عند الدخول في أيّ قرار، الظروف التي تدفعنا إلى المراجعة أو الخروج، وأن نلتزم بها حين يأتي الوقت. والثالث أن نطرح على كلّ أصلٍ نملكه السؤال نفسه دوريًّا: لو كان لديّ هذا المبلغ نقدًا اليوم، هل كنت سأختار هذا الأصل؟ وهي فكرةٌ تنسجم مع ما عرضناه في دليل سيكولوجية المال عن أنّ السلوك يصنع النتيجة أكثر ممّا تصنعها المعرفة.
رأينا كيف يشوّه ألم الخسارة قراراتنا. في الفصل الأخير نجمع خيوط الكتاب كلّها في أداةٍ عمليّة واحدة: قائمة مراجعةٍ سلوكيّة، وعمليّة استثمارٍ تُقاس بجودتها لا بنتيجةٍ واحدة. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في سلوك المستثمر لا توصياتٍ استثماريّة ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.