مع بداية كلّ عام تمتلئ الصحف والقنوات بتوقّعاتٍ واثقة: أين سيكون المؤشّر في نهاية السنة، وكم سيبلغ النموّ، ومتى ستتغيّر أسعار الفائدة. ثمّ تمضي السنة، ويتبيّن أنّ أغلب هذه التوقّعات أخطأ، وتأتي في العام التالي توقّعاتٌ جديدة بالثقة نفسها. يسأل مونتيير: لماذا نواصل الإصغاء إلى ما أثبت مرارًا أنّه لا يُعتمد عليه؟ والجواب يمرّ عبر حاجتنا النفسيّة إلى اليقين، وعبر تحيّزٍ يجعل أيّ رقمٍ نسمعه يستقرّ في أذهاننا.
لماذا نحبّ التوقّعات
يكره الإنسان الغموض. والتوقّع، حتّى لو كان ضعيفًا، يمنحنا قصّةً عن المستقبل نتمسّك بها، فنشعر بأنّ الطريق أوضح. ثمّ إنّ من يتوقّع بثقة يبدو أكثر خبرة ممّن يقول «لا أعرف»، فنكافئ الأوّل بانتباهنا رغم أنّ الثاني أصدق. ولا يعني ذلك أنّ أصحاب التوقّعات سيّئو النيّة، بل إنّ المستقبل في الأسواق يتشكّل من عوامل كثيرة متشابكة يصعب على أيّ أحدٍ الإحاطة بها، ويضاف إليها التقلّب الذي يجعل حتّى التوقّع الصحيح في اتّجاهه خاطئًا في توقيته.
المرساة الخفيّة
والأخطر أنّ التوقّعات لا تؤثّر فينا حين نصدّقها فقط، بل حتّى حين نعرف أنّها ضعيفة. فالعقل يتعلّق بأوّل رقمٍ يصادفه ثمّ يقيس عليه، وهو ما يُسمّى تحيّز التثبيتميل الحكم البشريّ إلى التعلّق بأوّل رقمٍ أو معلومةٍ يصادفها المرء، ثمّ تعديل التقدير انطلاقًا منها تعديلًا غير كافٍ، حتّى لو كانت تلك النقطة الأولى عشوائيّة أو لا صلة لها بالقرار.. تخيّل شخصًا اشترى أصلًا عند 50 ثمّ هبط إلى 35. سيقول لنفسه غالبًا: «سأنتظر حتّى يعود إلى 50»، وكأنّ رقم 50 يحمل معنًى خاصًّا. لكنّ السوق لا يعرف سعر شرائه ولا يهتمّ به؛ السؤال الحقيقيّ هو: لو لم أكن أملك هذا الأصل اليوم، هل كنت سأشتريه عند 35 بما أعرفه الآن؟
من التنبّؤ إلى الاستعداد
البديل الذي يقترحه الكتاب ليس أن نتوقّع بطريقةٍ أذكى، بل أن نقلّل حاجتنا إلى التوقّع أصلًا. انطلق ممّا تعرفه اليوم: ما الذي تدفعه مقابل ما تحصل عليه؟ وما الظروف الحاليّة؟ ثمّ فكّر في نطاق السيناريوهاتأسلوبٌ في التخطيط يستبدل بالتوقّع الواحد مجموعةً من الاحتمالات الممكنة، متفائلةً ومعتدلةً ومتشائمة، ثمّ يسأل صاحبه هل يتحمّل قراره كلّ واحدٍ منها، بدل أن يراهن على أن يقع أحدها بعينه. بدل رقمٍ واحد، واسأل: هل يصمد قراري إن جاءت الأمور أسوأ ممّا أتمنّى؟ وهي روحٌ قريبة ممّا عرضناه في دليل كتاب أهمّ شيء: أنّنا قد لا نعرف إلى أين نحن ذاهبون، لكنّنا نستطيع أن نعرف أين نقف الآن.
تمرينٌ صغير
في المرّة القادمة التي تقرأ فيها توقّعًا واثقًا، اسأل ثلاثة أسئلة: ما سجلّ صاحب التوقّع في الماضي؟ ما الذي يجب أن يحدث حتّى يصدق؟ وماذا سأفعل إن لم يصدق؟ ستلاحظ أنّ الإجابة عن السؤال الأخير أهمّ بكثير من التوقّع نفسه.
عرفنا كيف تخدعنا التوقّعات والأرقام الأولى. في الفصل التالي نتوقّف عند تحيّزٍ يجعلنا نقرأ العالم بطريقةٍ تريحنا: أن نبحث عمّا يؤكّد آراءنا ونتجنّب ما يناقضها. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في سلوك المستثمر لا توصياتٍ استثماريّة ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.