لم يعش مستثمرٌ في التاريخ وسط كمٍّ من المعلومات يشبه ما نعيش فيه اليوم. الأسعار تتحرّك على الشاشة كلّ ثانية، والتنبيهات تصل إلى الهاتف كلّ دقيقة، والتحليلات والآراء لا تنتهي. يبدو ذلك نعمةً للوهلة الأولى، لكنّ مونتيير يطرح سؤالًا مزعجًا: هل جعلنا هذا كلّه نتّخذ قراراتٍ أفضل؟ وجوابه أنّ الأمر قد يكون على العكس تمامًا.
الإشارة والضجيج
في كلّ تدفّقٍ من المعلومات جزءٌ صغير يحمل معنًى حقيقيًّا عن قيمة الشيء أو اتّجاهه الطويل، وجزءٌ كبير لا يعدو أن يكون تذبذبًا عابرًا. نسمّي الجزء الأوّل إشارة، ونسمّي الثاني الضجيجالمعلومات والحركات العابرة التي لا تحمل دلالةً حقيقيّة على القيمة أو الاتّجاه طويل الأجل، كتقلّبات السعر اليوميّة والتعليقات اللحظيّة، لكنّها تستهلك الانتباه وتغري بالتصرّف.. والمشكلة أنّ الضجيج أعلى صوتًا وأكثر إثارة، ولذلك يستحوذ على انتباهنا. ومن يراقب سعرًا كلّ ساعة يرى حركاتٍ صاعدة وهابطة كثيرة، أغلبها بلا معنى، فيظنّ أنّ هناك ما يستدعي التصرّف دائمًا.
المزيد يرفع الثقة لا الدقّة
يتّصل هذا بما رأيناه في الفصل الثاني. حين نجمع تفاصيل إضافيّة لا تمسّ جوهر القرار، لا يتحسّن حكمنا، لكنّنا نشعر بأنّنا أكثر استعدادًا. تخيّل شخصين يقرّران هل يحتفظان بادّخارٍ طويل الأجل: الأوّل ينظر في ثلاثة أسئلة جوهريّة، والثاني يقرأ عشرين تقريرًا يوميًّا. ليس من الضروريّ أن يكون الثاني أكثر صوابًا، لكنّه سيكون على الأرجح أكثر ثقةً وأكثر حركة، وكلّ حركةٍ تحمل تكاليفها.
كلفة الانتباه
للانتباه ثمنٌ لا يظهر في كشف الحساب. كلّ ساعةٍ تقضيها في ملاحقة خبرٍ عابر هي ساعةٌ لم تقضها في فهم ما يهمّ فعلًا، وهذا ما يُسمّى تكلفة الفرصة البديلة. ثمّ إنّ العقل المرهق بكثرة المدخلات يميل إلى الاختصارات السريعة، فيعود إلى التفكير العاطفيّ الذي رأيناه في الفصل الأوّل. أي أنّ فيض المعلومات لا يضيّع الوقت فحسب، بل يدفعنا إلى أسوأ طرق التفكير.
قائمةٌ قصيرة من الأسئلة
العلاج الذي يقترحه الكتاب بسيط: حدّد مسبقًا العوامل القليلة التي تحكم قرارك فعلًا، ثمّ اقرأ الأخبار بعينٍ انتقائيّة تسأل: هل يغيّر هذا جواب أيٍّ من أسئلتي؟ فإن لم يغيّره فاتركه. ويساعد على ذلك التركيز الانتقائيّمنهجٌ في اتّخاذ القرار يكتفي فيه صاحبه بعددٍ محدود من العوامل الجوهريّة المحدّدة مسبقًا، ويتجاهل عن قصدٍ ما سواها، إدراكًا منه أنّ كثرة المدخلات قد تضرّ بجودة الحكم. على ما يقيسه منهجك أصلًا، سواءٌ كان قائمًا على قراءة الأعمال أو على قراءة الرسم البيانيّ، وهو ما تشرح الفرق بينهما دروس التحليل الفنّيّ والأساسيّ في أكاديميّة أُسس. أمّا ما يقع خارج منهجك فليس مطلوبًا منك أن تتابعه.
عرفنا أنّ المزيد من المعلومات لا يعني فهمًا أعمق. في الفصل التالي نتوقّف عند نوعٍ خاصّ من المعلومات يحبّه المستثمرون كثيرًا: التوقّعات، ولماذا تخدعنا الأرقام حتّى حين نعرف أنّها عشوائيّة. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في سلوك المستثمر لا توصياتٍ استثماريّة ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.