تخيّل أنّك اقتنعت بفكرةٍ ما: أنّ قطاعًا معيّنًا مقبلٌ على سنواتٍ جيّدة. ستلاحظ بعدها أنّ الأخبار التي تؤيّد فكرتك تقفز إلى عينيك، وأنّ المقالات المخالفة تبدو لك ضعيفة الحجّة أو مكتوبةً بسوء نيّة. لم يتغيّر العالم، بل تغيّرت الطريقة التي تنظر بها إليه. يعدّ مونتيير هذا الميل من أخطر ما يواجه المستثمر، لأنّه يعمل بصمت ويمنح صاحبه شعورًا بأنّه يبحث بموضوعيّة.
كيف يعمل الانحياز
يُطلق على هذه الظاهرة انحياز التأكيدميل الإنسان إلى البحث عن المعلومات التي تؤيّد ما يعتقده سلفًا، وتفسيرها لصالحه، وتذكّرها أكثر من غيرها، مع التقليل من شأن الأدلّة المخالفة أو تجنّبها، فيزداد يقينه دون أن تزداد صحّة رأيه.، وهو يظهر في ثلاث مراحل. في البحث نذهب إلى المصادر التي نتوقّع أن تقول ما نريد سماعه. وفي التفسير نقرأ المعلومة الغامضة لصالح رأينا. وفي التذكّر نحتفظ بما أيّدنا وننسى ما خالفنا. والنتيجة أنّنا نخرج من كلّ جولة بحثٍ أكثر يقينًا ممّا دخلنا، مهما كانت الأدلّة متوازنة.
الثمن في الاستثمار
في عالم المال يجعلنا هذا الانحياز نتمسّك بقراراتٍ تغيّرت أسبابها. قد يشتري شخصٌ حصّةً في شركةٍ لأنّ أعمالها تنمو، ثمّ يتباطأ النموّ، فلا يرى في ذلك تغيّرًا جوهريًّا بل «مرحلةً عابرة». ثمّ تضعف الهوامش، فيجد تفسيرًا آخر. وكلّ تفسيرٍ منفرد قد يكون معقولًا، لكنّ مجموعها يكشف أنّه لم يكن يقيّم الأدلّة بل يدافع عن رأيه. ومن يعتمد على التحليل الأساسيّ يحتاج إلى الحذر هنا خصوصًا، لأنّ التحليل العميق قد يتحوّل إلى أداةٍ لتبرير الرأي لا لاختباره.
ابحث عن خطئك عمدًا
العلاج الذي يقترحه الكتاب أن نعكس اتّجاه البحث. بدل أن تسأل «ما الذي يثبت أنّني محقّ؟» اسأل «ما الذي سيثبت أنّني مخطئ؟». وهذا ما يمكن تسميته البحث عن الدليل المناقضعادةٌ منهجيّة يبحث فيها صاحب الرأي عمدًا عن أقوى الأدلّة والحجج المضادّة لموقفه، ويحدّد مسبقًا الشروط التي إن تحقّقت تخلّى عن رأيه، لتعويض ميل العقل الطبيعيّ إلى انتقاء ما يؤيّده.. اكتب قبل أيّ قرارٍ مهمّ جملةً واحدة: «سأعيد النظر في هذا القرار إن حدث كذا وكذا». ثمّ اقرأ عمدًا لمن يخالفك، وحاول أن تكتب أقوى نسخةٍ من حجّته بكلماتك، لا أضعف نسخة. فإن عجزت عن عرض الرأي المخالف بإنصاف، فأنت على الأرجح لا تفهم المسألة بعد.
شريكٌ يخالفك
ومن الأدوات المفيدة أن يكون لك شخصٌ تثق به يتولّى دور المعارض، يطرح عليك الأسئلة الصعبة دون أن تشعر بأنّه يهاجمك. فالآخرون يرون أخطاءنا أسرع ممّا نراها، لأنّهم لا يحملون تعلّقنا العاطفيّ برأينا. وتبقى القاعدة الأهمّ: ليس الهدف أن تكون محقًّا في البداية، بل أن تكتشف خطأك بأسرع ما يمكن.
رأينا كيف نختار من الحاضر ما يؤيّد آراءنا. في الفصل التالي نرى كيف نعيد كتابة الماضي أيضًا، فنقنع أنفسنا بأنّنا كنّا نعرف ما سيحدث، ولماذا يضرّ ذلك بقدرتنا على التعلّم من التاريخ. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في سلوك المستثمر لا توصياتٍ استثماريّة ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.