إن سألت شخصًا مقبلًا على مشروعٍ جديد عن فرص نجاحه، فالأرجح أنّه سيقدّرها أعلى بكثير ممّا تقوله الأرقام العامّة عن المشاريع المشابهة. وإن سألته عن احتمال أن يمرض أو يفقد عمله، فسيقدّره أقلّ ممّا يقدّره لجاره. هذا الميل ليس عيبًا أخلاقيًّا، بل سمةٌ بشريّة عميقة تمنحنا الدافع للمحاولة. لكنّ مونتيير ينبّه إلى أنّه حين ينتقل إلى قراراتنا المالية يصبح مصدرًا هادئًا للخطر.
كلّنا فوق المتوسّط في المستقبل
يعني التفاؤل المفرطميل الإنسان إلى تقدير احتمال الأحداث الجيّدة في حياته بأعلى من واقعها، واحتمال الأحداث السيّئة بأقلّ من واقعها، فيتوقّع لنفسه مستقبلًا أفضل ممّا تشير إليه التجارب المماثلة. أن نرسم لأنفسنا مستقبلًا أجمل من المستقبل الذي تشير إليه تجارب الآخرين. في الاستثمار يظهر ذلك حين يفترض المرء أنّ العائد الذي يتوقّعه سيأتي في موعده، وأنّ الانخفاضات الكبيرة تحدث لغيره، وأنّ خطّته لن تحتاج إلى خطّةٍ بديلة. تخيّل مدّخرًا يبني حساباته على عائدٍ سنويّ ثابت بنسبة خمسة عشر في المئة لعشرين سنة، دون أن يسأل ماذا لو جاءت سنتان سيّئتان في البداية. ليس الرقم وحده هو المشكلة، بل غياب السؤال.
وهم السيطرة
ويقترن التفاؤل غالبًا بوهمٍ آخر: أن نشعر بأنّنا نتحكّم في ما لا نتحكّم فيه. من يرمي النرد بنفسه يشعر بأنّ فرصته أفضل ممّن يرميه غيره، وهذا لا أساس له. هذا هو وهم السيطرةشعور الإنسان بأنّ له تأثيرًا في نتائج تحدّدها الصدفة أو عوامل خارجيّة في الحقيقة، فيبالغ في تقدير قدرته على توجيهها بالمتابعة والتدخّل والاختيار الشخصيّ.، ويظهر عند المستثمر حين يظنّ أنّ مراقبة الشاشة طوال اليوم أو التدخّل في كلّ حركةٍ صغيرة يحسّن النتيجة، بينما تصنع أغلب حركة الأسعار في المدى القصير أخبارٌ وقرارات ملايين المشاركين الذين لا يعرفهم. فيتحوّل الشعور بالسيطرة إلى قراراتٍ أكثر وتكاليف أعلى.
الحماية من التفاؤل لا محاربته
لا يطلب الكتاب أن نصبح متشائمين، بل أن نضع التفاؤل في مكانه. أوّل خطوة أن نبدأ من «المعدّل العامّ»: ما الذي حدث عادةً لمن جرّبوا الشيء نفسه قبلنا؟ ثمّ نسأل عن السيناريو السيّئ صراحةً ونكتب ما سنفعله إن وقع. ومن أبسط صور الحماية التنويع، الذي يعترف ضمنًا بأنّنا لا نعرف أيّ رهانٍ سينجح، فلا نضع كلّ شيءٍ في سلّةٍ واحدة. ومن أراد أن يرى إلى أيّ حدٍّ قد تأتي الأحداث النادرة بما لا نتخيّله، فليرجع إلى دليلنا لكتاب البجعة السوداء.
سؤال ما قبل الفشل
ومن الأدوات العمليّة المفيدة أن تتخيّل، قبل أن تتّخذ قرارًا كبيرًا، أنّ سنةً قد مرّت وأنّ القرار انتهى إلى فشلٍ واضح، ثمّ تسأل: ما الأسباب الأرجح لهذا الفشل؟ هذا التمرين يكسر سحر التفاؤل لأنّه يجبر العقل على البحث عن نقاط الضعف بدل تكرار أسباب النجاح، ويكشف غالبًا مخاطر كانت واضحةً لكنّنا لم ننظر إليها.
رأينا كيف يلوّن التفاؤل ووهم السيطرة قراءتنا للمستقبل. في الفصل التالي نتوقّف عند مشكلةٍ تبدو عكسيّة: أنّنا نعيش في طوفانٍ من المعلومات، وأنّ المزيد منها قد يجعل قراراتنا أسوأ لا أفضل. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في سلوك المستثمر لا توصياتٍ استثماريّة ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.