اسأل مجموعةً من الناس: هل أنت سائقٌ أفضل من المتوسّط؟ ستجد أنّ أغلبهم يجيب بنعم، وهذا مستحيلٌ حسابيًّا. الظاهرة نفسها تتكرّر في كلّ مجال تقريبًا: نرى أنفسنا أذكى وأمهر وأبعد نظرًا من غيرنا. يعدّ مونتيير هذه الثقة الزائدة من أكثر التحيّزات انتشارًا وأشدّها كلفة، لأنّها تدفع صاحبها إلى المخاطرة بأكثر ممّا ينبغي، وإلى التداول بأكثر ممّا يلزم، وإلى تجاهل احتمال أن يكون مخطئًا.
نوعان من المبالغة
تظهر الثقة الزائدة في صورتين. الأولى أن نبالغ في تقدير مهارتنا مقارنةً بالآخرين، فنظنّ أنّنا سننجح حيث يفشل أغلبهم. والثانية أن نبالغ في دقّة معرفتنا، فنضع لتوقّعاتنا نطاقاتٍ ضيّقة جدًّا وكأنّ المستقبل واضحٌ أمامنا. تخيّل شخصًا يقول إنّ سعر سلعةٍ ما سيكون بعد عامٍ بين 95 و105، ثمّ يأتي السعر عند 70. لم يكن خطؤه في الرقم وحده، بل في ضيق النطاق الذي عبّر عن يقينٍ لا يملكه. هذا الفرق بين الثقة والدقّة هو ما يُعرف بـمعايرة الثقةمدى تطابق درجة ثقة الإنسان في أحكامه مع نسبة صوابها الفعليّة؛ فالمعايَر جيّدًا يصيب في نحو ثمانين في المئة من الأحكام التي يقول إنّه واثقٌ منها بهذه النسبة، ومن يصيب أقلّ بكثير يعاني ثقةً زائدة.، وأغلبنا معايَرٌ بشكلٍ سيّئ.
وهم المعرفة
قد يظنّ المرء أنّ العلاج هو جمع مزيدٍ من المعلومات. لكنّ الكتاب يلفت إلى مفارقة: كلّما زادت المعلومات بين أيدينا ارتفعت ثقتنا بسرعة، بينما تبقى دقّة أحكامنا شبه ثابتة بعد حدٍّ معيّن. هذا هو وهم المعرفةشعورٌ زائف بالفهم ينشأ من كثرة المعلومات المتاحة؛ إذ ترتفع ثقة الإنسان في حكمه كلّما جمع تفاصيل أكثر، بينما لا ترتفع دقّة الحكم بالقدر نفسه، فتتّسع الفجوة بين ما يظنّ أنّه يعرفه وما يعرفه فعلًا.: أن يخلط المستثمر بين كثرة ما قرأ وعمق ما فهم. ومن يقع فيه يصبح أكثر جرأةً في قراراته دون أن يصبح أكثر صوابًا، وهي وصفةٌ مثاليّة للخسارة.
الخبراء ليسوا محصّنين
لا يقتصر الأمر على المبتدئين. بل إنّ أصحاب الخبرة الطويلة قد يكونون أكثر عرضةً للثقة الزائدة في المجالات التي يصعب فيها التنبّؤ، لأنّ خبرتهم تمنحهم قصصًا مقنعة يفسّرون بها كلّ شيء. والدرس هنا ليس أن نحتقر الخبرة، بل أن نميّز بين مجالاتٍ تتكرّر فيها الأنماط ويأتي فيها التقييم سريعًا وواضحًا، ومجالاتٍ يسودها الضجيج ويتأخّر فيها الحكم، كالأسواق الماليّة في المدى القصير.
كيف نخفّف أثرها
أفضل علاجٍ للثقة الزائدة هو السجلّ المكتوب. دوّن توقّعاتك بدرجات ثقةٍ صريحة، ثمّ ارجع إليها بعد مدّة لترى نسبة صوابك الحقيقيّة. وهي فكرةٌ تتقاطع مع ما عرضناه في دليل التفكير بمنطق الرهان عن التعبير عن المعتقدات بالاحتمالات. ثمّ اجعل حجم مخاطرتك في كلّ قرارٍ متواضعًا يفترض أنّك قد تكون مخطئًا، وهو ما تشرحه دروس إدارة المخاطر في أكاديميّة أُسس: ألّا يكون أيّ خطأٍ واحد قادرًا على إخراجك من اللعبة.
رأينا في هذا الفصل كيف نبالغ في تقدير ما نعرفه. في الفصل التالي ننتقل إلى قريبٍ له: التفاؤل المفرط، ووهم السيطرة على ما لا نتحكّم فيه. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في سلوك المستثمر لا توصياتٍ استثماريّة ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.