ينطلق جيمس مونتيير من فكرةٍ قد تبدو صادمة لمن يظنّ أنّ الاستثمار نشاطٌ عقلانيّ خالص: أنّ أكبر عدوٍّ للمستثمر ليس السوق ولا الأخبار ولا الآخرين، بل هو نفسه. فنحن لا نتّخذ قراراتنا المالية بعقلٍ حاسبٍ بارد ثمّ نشعر بعدها، بل كثيرًا ما نشعر أوّلًا ثمّ نبحث عن أسبابٍ تبدو منطقيّة لما قرّرناه سلفًا. وهذا الفصل يضع الأساس لبقيّة الكتاب: قبل أن نتعلّم أيّ أداة، علينا أن نعرف كيف يعمل العقل الذي سيستخدمها.
نظامان في رأسٍ واحد
يستند الكتاب إلى صورةٍ شاعت في علم النفس الحديث: في داخلنا طريقتان في التفكير. الأولى سريعة وتلقائيّة وعاطفيّة، تعمل دون جهد وتمنحنا أحكامًا فوريّة. والثانية بطيئة ومتأنّية، تحتاج إلى تركيزٍ وطاقة، وتتعب سريعًا. المشكلة أنّ الطريقة الأولى هي التي تتصدّر المشهد غالبًا، خصوصًا تحت الضغط. ومن أراد التوسّع في هذه الفكرة يجدها مفصّلةً في دليلنا لكتاب التفكير السريع والبطيء، أمّا هنا فيهمّنا أثرها المباشر على قرارات الشراء والبيع والانتظار.
الساخن والبارد
تخيّل أنّك تكتب في عطلة نهاية الأسبوع خطّةً هادئة: «إن تراجعت محفظتي عشرة في المئة فلن أبيع، لأنّني أستثمر لسنوات». هذه لحظةٌ باردة. ثمّ يأتي يومٌ تتساقط فيه الأسعار، وتمتلئ الشاشات بالأحمر، ويتحدّث الجميع عن الأسوأ. هذه لحظةٌ ساخنة، وفيها تبدو خطّتك القديمة ساذجة، ويصبح البيع «الآن» هو الخيار الوحيد المعقول. الفارق بين اللحظتين ليس في المعلومات بل في الشعور، وهو فارقٌ يكفي لقلب القرار رأسًا على عقب.
فجوة التعاطف مع الذات
أخطر ما في هذه الظاهرة أنّنا لا نراها مسبقًا. حين نكون هادئين نعجز عن تخيّل قوّة ما سنشعر به لاحقًا، فنبالغ في ثقتنا بقدرتنا على الالتزام. يسمّي علماء النفس ذلك فجوة التعاطفعجز الإنسان، وهو في حالةٍ هادئة، عن تقدير قوّة ما سيشعر به في لحظة انفعالٍ شديد كالخوف أو الطمع، فيضع خططًا يظنّ أنّه سيلتزم بها ثمّ يتخلّى عنها حين يأتي الضغط فعلًا.، أي أنّ ذاتنا الباردة لا تتعاطف بما يكفي مع ذاتنا الساخنة ولا تفهمها. ولهذا يفشل كثيرون في تطبيق ما يعرفونه جيّدًا، لا لنقصٍ في الفهم بل لأنّ الفهم وحده لا يصمد أمام الانفعال.
القرار المسبق علاجًا
إن كان الانفعال لا يُهزم بالإرادة لحظة وقوعه، فالحلّ أن نتّخذ القرار قبل أن يصل. هذا ما يُعرف بـالالتزام المسبقأن يقيّد الإنسان نفسه مسبقًا، في لحظة هدوء، بقواعد أو ترتيباتٍ تمنعه من اتّخاذ قرارٍ متسرّع حين يشتدّ الانفعال لاحقًا، كخطّةٍ مكتوبة أو مبالغ استثمارٍ دوريّة ثابتة.: أن تكتب قواعدك في الحالة الباردة، وأن تجعل الخروج عليها صعبًا في الحالة الساخنة. قد يكون ذلك بتحديد نسبٍ ثابتة لتوزيع مدّخراتك، أو بقاعدةٍ تمنعك من أيّ قرارٍ كبير قبل مرور يومٍ كامل على الخبر. وهذه هي الروح التي تبنيها دروس علم نفس التداول في أكاديميّة أُسس: أن تعرف انفعالاتك لتصمّم قراراتك حولها لا لتتظاهر بأنّها غير موجودة.
عرفنا في هذا الفصل أنّ العاطفة تسبق العقل في كثيرٍ من قراراتنا المالية. في الفصل التالي نتوقّف عند أحد أكثر الأخطاء انتشارًا بين المستثمرين: الثقة الزائدة بما نعرفه، وكيف يوهمنا تراكم المعلومات بأنّنا نفهم أكثر ممّا نفهم. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في سلوك المستثمر لا توصياتٍ استثماريّة ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.